حنة أرندت تقرأ حوادث العنف والشغب من زاوية فريدة

0,,15984617_401,00

في كتابها “في العنف” تتحدث الفيلسوفة السياسية حنة أرندت عن العنف والغضب، وكيف أنها مشاعر طبيعية وإنسانية تنتج من غياب العدالة، خلاف ما يعتقده الطرح الشائع عن الحضارة والإنسانية والذي يضمر أن العنف غير إنساني وحيواني بالضرورة. يمكن في ضوء هذا الاقتباس قراءة أغلب أحداث العنف والشغف في مختلف دول العالم.

أن يكون العنف أمرا ينتج عن الغضب مسألة يتفق عليها الجميع، ومن شأن الغضب حقا أن يكون لا عقلانيا ومَرَضيا. ولكن أليس هذا حال كافة العواطف البشرية الأخرى؟ مما لاشك فيه أن بالإمكان خلق الشروط التي تجرد الإنسان من إنسانيته ، لكن هذا لايعني أبدا أن الإنسان سيتحول بالتالي إلى مايشبه الحيوان. وفي مثل هذه الشروط من المؤكد أن مايكون مؤشرا واضحاً على انتزاع الانسانية عن الإنسان، هو غياب الغضب والعنف لا حضورهما. ليس الغضب بأي حال من الاحوال رد فعل تلقائي إزاء البؤس والألم فحسب، فما من أحد يتصرف تصرف الغضب إزاء داء لا دواء له أو هزة أرضية أو إزاء أوضاع اجتماعية تبدو له غير قابلة لأي تغيير. يحصل الغضب فقط حين تكون هناك احتمالات لحدوث تبدل في الأوضاع.. لكن هذا التبدل لا يحدث. فقط حين يخدش حس العدالة لدينا نتصرف بغضب

[….]

في مواجهة أحداث وشروط اجتماعية مثيرة للغضب، يكون ثمة إغراء كبير بضرورة اللجوء إلى العنف بسبب قدرته التفجيرية وميزته كعمل فوري. إن التحرك بسرعة مدروسة يتناقض تماماً مع انتفاضة الغضب والعنف، لكن هذا لا يجعل منه على الإطلاق عملاً لا عقلانياً. بل على العكس من هذا، حيث نلاحظ في الحياة الخاصة، كما فيه الحياة العامة، أن ثمة أوضاعاً تكون فيها القدرة التفجيرية للعنف الترياق الوحيد الناجع. ليس التنفيس العاطفي هو مايهم هنا، إنه تنفيس كان بالإمكان الحصول عليه بالضرب على الطاولة أو بخبط الباب خبطة عنيفة، المهم هو إن العنف -في ظروف معينة- ومن دون إعمال التفكير في النتائج، يصبح هو الوسيلة الوحيدة لإعادة التوازن لميزان العدالة. في هذا المعنى يضحى من الواضح أن الغضب والعنف الذي يتواكب معه أحياناً- إنما ليس دائماً- ينتميان معاً إلى العواطف الإنسانية الطبيعية. أما شفاء الإنسان منهما، فلا يعني أي شيء آخر غير نزع الإنسانية عن الإنسان وخصيه. لا مراء في أن مثل هذه الأفعال حيث يتولى البشر بأنفسهم تفسير القانون كما يشاؤون خدمة للعدالة، تتناقض مع دساتير الجماعات المتمدنة، غير أن طابعها أللاسياسي كما يبدو لنا واضحاً في رواية هرمان ملفيل الرائعة “موبي ديك” ، لايعني أبداً إنها أفعال على إنسانية، أو أنها مجرد أفعال عاطفية.