حوار مع بول أوستر

بول أوستر

بول أوستر، كاتب ومخرج أمريكي مولود في 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية. هنا نقدم لكم حوارًا صحفيًا معه، أقامته السيدة (هيلينا دي بيرتودانو)، ليُنشر في صحيفة التليجراف في شهر نوفمبر من 2010، ومن ثم قام (أمير زكي) بترجمتها [المصدر]، ونشرها في صحيفة (أخبار الأدب) العربية.

تفتتح الصحفية مقالتها فتقول:

روايات (بول أوستر) محتفى بها فى أوروبا، ولكن الأمر ليس كذلك فى وطنه أمريكا. لحسن الحظ هو يعتبر هذا إطراء.

تقول إحدى شخصيات رواية (بول أوستر) الأخيرة (سانست بارك): “ليس من المفترض أن يتحدث الكتاب إلى الصحفيين“. هذا أمر محبط، أقرأ هذا وأنا فى طريقي لأحاور (أوستر). تكمل الشخصية: “الحوار هو شكل أدبي وضيع لا يهدف إلا لتبسيط ما لا يجب تبسيطه“. هذا سيكون مثيرًا للسخرية.

أثناء توجهي نحو منزله، المبنى الضخم الواقع فى شارع محفوف بالأشجار ببروكلين- نيويورك، شعرت بالاضطراب، لأننى رأيت (أوستر) ينظر إليّ من النافذة بوجه حجرى، كأحد الشخصيات الكئيبة فى رواياته وأفلامه.

ولكن الانطباع الأول كان خاطئًا، فـ(أوستر) رحب بي بشدة عندما وصلت وأنا أحمل حقائبي؛ فلم يكن لديّ وقت لأمر على الفندق قبل ذلك.

قال وهو يتقدم ليساعدنى: “تبدين كأنك جئت لتبقي .. مرحبًا بك لو أحببت أن تبقي هنا“.

تبدأ بعد ذلك حوارها فتقول:

(أوستر)، 63 عاما، يجلس على كرسى مخملى لونه كاكي، تبرز منه أشغال خشبية لامعة، روائع من الفن الحديث على الجدران، كتب ومجلات ملقاة بلطف هنا وهناك، آنيات زهور مرتبة.

يعيش هنا مع زوجته الثانية الروائية (سيرى هاستفيت)، أما ابنته (صوفي)، 23 عاما، الممثلة والمغنية، فتعيش بالقرب منه فى مانهاتن. وبينما كان يشعل أولى سجائره الصغيرة سألته لماذا ينزعج من الحوارات.

قال باهتمام: “اسمعى.. أنا مخلص للناشرين، ولا أريد أن أكون منفرًا، أريد أن أكون ذو روح حلوة، لذلك فأنا أجري حوارًا من آن لآخر، ولكنى أعتقد أن الفن لا يمكن إيجازه أبدا وبأى شكل، يمكن تحليله ومناقشته، ولكنى لا أعرف إن كان على الفنان أن يفعل ذلك“.

يختلف الأمر باختلاف من تستمع إليه، فربما يكون (أوستر) هو أعظم كاتب فى جيله، أو هو تجريبي وغامض جدًا لدرجة أنه لا يُقرأ. يتنهد ويقول: “نحن جميعا نتلقى الضربات.. على مر السنوات تلقيت انتقادات فظيعة وتلقيت مديحًا مبالغًا فيه، ونادرًا ما تلقيت شيئا فيما بينهما“.

أرجأت قراءة كتبه “الصعبة” لسنوات، وفوجئت حينما وجدتها ليست كذلك. (سانست بارك) روايته السادسة عشر المنشورة للتو تدور أحداثها فى بروكلين، المكان الذى يعرفه جيدا.

إنها تدور حول قصة تحول تقليدية نسبيًا، عن شاب يتسلط عليه ضميره ويهرب من عائلته، وينفق على نفسه عن طريق تنظيف المنازل التى أخليت لتوها. ولكن نحن نقرأ رواية لـ(أوستر)، فلا يوجد شيء يسير بالضبط كما نتوقع، ولكنها قصة جذابة.

سألته إن كان يزعجه قول الناس إن كتبه غير مفهومة. “لا.. هذا لا يزعجني، ولكن الشيء الطريف هو أننى أعتقد أنها سهلة الفهم، فكتبي عن العالم الواقعي، أنا لا أكتب عن أخيلة وهمية، اسمعي…” قال هذه الكلمة التى يستخدمها مرارا ليعطي إحساسًا بالأهمية: “ما أكافح من أجله هو الوضوح فى كل جملة“.

كان يرتدي قميصًا أزرق غاليًا، وبنطلون بدلة أسود، وحذاء جلديًا لامعًا. بدا (أوستر) كسياسي أنيق وشديد التهذيب. كان يكرر مشجعا: “هذا سؤال رائع“.

لماذا أصبح كاتبا؟ قال أوستر: “هذا هو السؤال غالبًا؟ اسمعي، أعتقد أن الكتابة تأتي من إحساس شديد بالوحدة، إحساس بالعزلة“. ولكن أليست الكتابة تزيد من هذا الإحساس؟ “لا.. أنا لم أشعر أبدًا بذلك.. وإنما كنت أشعر أنني مبتهج وأنا أكتب. بدأت بكتابة أشعار بشعة للغاية وأنا فى التاسعة أو العاشرة تقريبًا، وارتقيت إلى القصة القصيرة وأنا فى الحادية أو الثانية عشر“.

نشأ فى ساوث أورانج- نيوجيرسى، كابن ليهوديين مهاجرين من بولندا؛ (صمويل) و(كويني)، كانا غير متفاهمين وانفصلا فى النهاية. كان أبوه بائع أثاث، ثم سمسار عقارات، وتتضح فى كتاب أوستر الأول (اختراع العزلة) طبيعة علاقتهما الصعبة.

لم تكن هناك كتب كثيرة فى المنزل، حتى سافر عمه المترجم وترك مكتبته لأسرة (أوستر). “عندما كنت فى الثالثة عشر من العمر ذهلت من (الحارس فى حقل الشوفان)، لم يكن هناك شىء يشبه هذا الصوت“. ولكن الصاعقة الحقيقية جاءت عندما قرأ (الجريمة والعقاب)، “هذا الكتاب غيرني، أذكر أننى كنت أفكر: لو كانت هذه هى الرواية فهذا هو ما أود أن أفعله. كنت أقرأه وأنا مضطرب جدًا“.

ذهب إلى جامعة كولومبيا، ثم بدأ يعمل على ناقلة بترول: “أردت أن أقوم بمغامرة؛ كنت قد حصلت على البكالوريوس والماجستير، وأردت أن أفعل شيئا مختلفًا“.

فى سن الثالثة والعشرين توجه إلى فرنسا ليحصل على عيشه ككاتب. يقول (أوستر): “ما كنت أفعله هو أن أحصل على الطعام.. عندما عدت من باريس، كنت فى السابعة والعشرين، وكل ما كان معي هو تسعة دولارات. كنت قد نشرت كتابًا واحدًا فى الشعر، وربما كتابًا أو اثنين فى الترجمة. بقيت مع أبي حتى أجد مكانا لأعيش فيه. كان مرتبكًا، لم يكن يدري ماذا يصنع بي، ولكننى أتعاطف معه، فقد كنت مجنونًا“.

كان كلامه منطقيًا، قال لي: أنا لا أفهمك.. ستموت إذا لم تفعل شيئًا، هذا غير مقبول. لأول وهلة أثر فىّ رأيه، وفكرت في أن أكون أستاذًا جامعيًا، ولكني في النهاية ظللت أكتب“.

مات الأب قبل أن يصبح (أوستر) مشهورًا، “الآن أستطيع كسب عيشي من كل هذا، وفى الحقيقة أنا أحيا بشكل أفضل مما توقعت على الإطلاق.. كان سيصبح سعيدًا جدًا“. أما عن أمه: “هي تضع كتبي بفخر على أرفف مكتبتها، ولكني لا أعتقد أنها قرأتها، كانت دائمًا مهتمة أكثر بالأفلام التي صنعتها، الأفلام هي التى استطاعت التواصل معها.. وليس الكتب“.

رواياته التى لفتت الانتباه هي (ثلاثية نيويورك)، تلك الروايات البوليسية الثلاث المنفصلة المتصلة التي يستكشف فيها مسائل الهوية واللغة. الروايات اللاحقة أكدت على صوته المتميز، حتى أصبح شهيرًا خاصة في أوروبا؛ حيث حصل على الجائزة الثقافية الفرنسية للأدب الأجنبي، وجائزة أمير أستورياس بأسبانيا.

“فى فرنسا يشعرون أنني مثلهم، كوني أتحدث الفرنسية يساعدني على ذلك، فأنا لست عدوًا أمريكيًا”.

فى الولايات المتحدة يقدر (أوستر) بشكل أقل: “كل قصصي عن أمريكا، كلها متشربة بالتاريخ الأمريكي والأدب الأمريكي، ولكن.. الناس لا يهتمون كثيرًا بالكتب، لا توجد ثقافة كتاب هنا“.

ومع ذلك فقد تأثر بالاحتفاء بجوناثان فرانزن الذى جعلته روايته الأخيرة يتصدر غلاف التايم. يقول (أوستر) بحماس: “هذا رائع، لم أر شيئا مثل هذا من عقود.. أنا سعيد أن أحدًا جاد إلى حد ما يحصل على هذا الاهتمام“.

سألته إن كان يغار من ذلك، هل كان يحب أن يكون على غلاف التايم؟ يضحك: “أعتقد أن فرصة حدوث ذلك معدومة، أنا لا أفكر فى ذلك، فما أفعله بعيد جدًا عن الذائقة الأمريكية، ولم أقل أبدا لنفسى: أريد أن أكتب كتابا عن الأزمة الاقتصادية فى أمريكا، أو عن مؤسسة الزواج“.

أنا لا أعرف حتى ما يمكن أن أفعله، أنا فقط أكتب ما أكتبه، لدىّ دافع هائل للتواصل، أريد أن أتغلغل تحت جلد القارئ وداخل عقله وقلبه، أن أتحداه وأحركه، وأفتح عينيه على أشياء ربما لم يفكر فيها من قبل“.

هو يزعم أنه لا يقرأ المقالات التى تكتب عن أعماله: “هي إما ستحبطنى أو ستطريني بشكل غير مقبول. فى مرة كنت أقرأ جريدة ساعة الإفطار وتصادف أن رأيت مقالا عني وأخذني الفضول“.

كان يقول: “(بول أوستر) لا يؤمن بقيم الرواية التقليدية. هذا بدا كأنه هجومًا سياسيًا، لو بدلت جملة قيم أسرية بجملة قيم روائية. هذا يعبر بشكل كبير عما يعتقده النقاد الأمريكيون عن عملي“.

مثل العديد من الكتاب ينزعج (أوستر) من أمريكا: “ربما تأتي اللحظة التى سأنزعج فيها بالقدر الذى سيضطرني للرحيل“. قال ذلك مازحًا إلى حد ما. “أشعر بتعاطف شديد مع أوباما، أنا لا أعتقد أنني رأيت مثل هذا الصراع فى الحكومة، الجمهوريون يسعون عمليًا على إفشال أوباما، سيشعرون بسعادة كبيرة إذا مات، وأعتقد أنه أظهر حلمًا كبيرًا بتحكمه في نفسه“.

و(أوستر) يعرف كيف يكون حليمًا، ففي مرة قُدّم إليه ناقد كان يهاجم كتبه، هذا فى الوقت الذى كان لا يزال يقرأ فيه النقاد: “عندما سمع الناقد اسمي شحب وجهه، توقع أن ألكمه، والحقيقة أنني كنت أريد ذلك لأن ما كتبه أغضبني جدًا“.

بعد ذلك قلت لنفسي: أن أفضل طريقة للتعامل مع الأمر هو التظاهر بأنني لا أعرفه، لذلك قلت له: أنا سعيد جدًا بلقائك“. يضحك ويقول: “لحظته يتنفس الصعداء من رئتيه، ولكنه لا يزال ينتقدني، لذلك أشعر الآن أنه كان عليّ أن ألكمه“.

أبطال روايات (أوستر) غالبًا ما يكونوا قد تعرضوا لخسارة كبيرة قبل بداية القصة: “أنا مهتم بأن أبدأ قصصي بأزمة ما لأرى كيف ستتعامل الشخصية معها“. هل تعرض لخسائر مشابهة فى حياته؟ “العديد من الناس ماتوا أمامي فجأة، فهذا الشعور ليس غريبا عليّ“.

أكثر من أى شىء آخر تمتلئ روايات (أوستر) بالحوادث والصدف؛ عندما كان فى الرابعة عشر رأى (أوستر) صبيًا يموت مصعوقًا حينما كانوا فى رحلة بمعسكر صيفي. يقول: “ربما تكون تلك التجربة هي أكثر شيء أثر على رؤيتى للعالم“.

يستعيد القصة كأنه يستعيد رعب تلك اللحظة: “كنا تائهين فى الغابات، وهبت فوقنا عاصفة رعدية شديدة، وكانت تلقى بصواعقها على الأرض، كان الأمر أشبه بقذف القنابل“.

أحد الصبية قال إنه من الأفضل أن نتوجه بعيدا عن الأشجار، تحركنا فى صف واحد تحت سياج من الأسلاك الشائكة، الصبي الذى كان أمامى كان تحت السياج مباشرة عندما ضربته الصاعقة، مات فى التو، ولكننا لم ندر ذلك“.

جذبناه واستلقينا على الأرض معه طوال العاصفة، أتذكر أننى كنت أمسك لسانه حتى لا يبتلعه، وشاهدت لون جسمه يشحب. عندما ترى ذلك وأنت فى الرابعة عشر، تبدأ فى إدراك أن العالم أقل استقرارًا بكثير مما كنت تعتقد“.

الحياة ليست مرتبة بعناية، فأنت تذهب إلى العمل فى يوم ما، فتصطدم طائرة بالمبنى وتجد نفسك احترقت“.

هل وعيه الدائم بهذه التبدلات يجعل الحياة صعبة العيش؟ “اسمعي، الأمر لا يعني أنني أسعى باحثًا عن هذه الأشياء، أنا مثل الجميع، لديّ أحلام وأهداف، وأشعر بالإحباط عندما لا تتم. إنما الفكرة أن هناك العديد من الأشياء ليست فى قدراتنا. لقد قابلت (سيري) بالصدفة، الحظ جعلنا نعيش سويًا لثلاثين عامًا حتى الآن“.

تقابلا فى أمسية شعرية بنيويورك، (أوستر) كان قد تزوج من قبل (بليديا ديفيز)، كاتبة قصة قصيرة، ولديه منها ابن؛ (دانييل). مؤخرا وصفت (سيرى) اللقاء كالتالي: “ذهبت إلى الردهة ورأيت هذا الرجل الوسيم، قدمت إليه ووقعت في حبه فى ظرف عشر ثوان“.

يقول (أوستر): “لو لم يظهر أحدنا لما تقابلنا أبدًا، كانت فرصة وحيدة“. وبالصدفة أيضا فُتح الباب لأرى امرأة شقراء طويلة. ابتسمنا جميعا. قال: “ها هى (سيرى)” وكان يبدو هو نفسه متفاجئًا.

يكتب (أوستر) رواياته فى شقة قريبة، “أذهب إلى هذا المكان المتقشف، لا شيء هناك سوى العمل، أكتب فى دفتر، أحيانا أمزق كل ما كتبت، لو استطعت كتابة صفحة واحدة أرى أنني أنجزت فى اليوم، أتوجه بعد ذلك لأكتبها على آلتي الكاتبة“.

لا يملك بريدًا إلكترونيًا ولا كمبيوتر، “ليس لديّ موقف فلسفي من ذلك، أنا فقط أشعر بنفسي أكثر حرية وانطلاقًا بدون أن تكبلني هذه الأشياء”.

مؤخرا بدأ فى العمل على رواية جديدة، ولكنه يقول إنه فى الأعوام الأخيرة أصبح من الصعب عليه إيجاد الأفكار.

كنت معتادًا على أن أحتفظ بقصص غير مكتملة، ولكن من أعوام مضت وجدت الأدراج خاوية، أعتقد أننى وصلت للوقت الذى أخبر فيه نفسي أننى لو لم أكتب كتابًا آخر فتلك ليست مأساة، هل يعنى كثيرًا أن أنشر 16 أو 17 رواية؟ لو لم يكن هذا مُلحًا، فلا معنى للكتابة“.