د. سروش يتحدث عن تحول التكنولوجيا من وسيلة إلى غاية

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث عن الغاية والوسيلة، وعن وجود رابطة بين الاثنين:
ما أريد مناقشته هو نقطة أخرى، تقول إن ثمة صلة بين الغاية والوسيلة، ويجب أن نقتنع على الأقل بتعذر الوصول إلى أي غاية بأية وسيلة كانت. أخال أن الجميع متفقون على هذا الرأي. القدر المتيقن هنا أنه لا يمكن لأية وسيلة أن تبلغ بالإنسان أية غاية. بالتسليم لهذه الفكرة نطل في ما يلي على العالم الحديث.
 ثم تحدث عن التنولوجيا، وعن مسببات وجودها:
أوجد العالم الحديث العديد من الوسائل المتنوعة، بل إن مهمة التكنولوجيا هي التفكير في ابتداع وسائل. ولكن هنا قضية على جانب من الأهمية هي أن غايات معينة سترشح عن وجود هذه الوسائل. في مثل هذه الظروف لن نستطيع القول إن غاياتنا من الحياة محددة ومعلومة، ونحن نوظف هذه الوسائل والأدوات لنصل إلى غاياتنا الحياتية. ليس الأمر كذلك، لأن الوسائل تخلق غايات معينة. إنها وسائل تقوم بأعمال معروفة، لها قدرات خاصة، وتضعنا إزاء خيارات جد عجيبة وعظيمة. وبذا تترك تلقائيًا بصمتها على غاياتنا في الحياة، فتغير معنى الحياة وغاياتها في وجداننا. قد لا نشعر نحن بالمسألة ولكن حينما تتوفر لنا الوسيلة فسوف تسوقنا إلى مقاصد معينة. لا يستطيع أحد القول إنني أعرف الغاية التي أتوخاها بدقة، فأنبذ الوسائل التي لا توصلني إلى غايتي، وأبقي على التي تساعدني في الوصول. ليس الأمر على هذه الشاكلة. الوسيلة ليست طيعة عديمة المفعول كما قد نتوهم. الأدوات لا تخدمنا وتطيع دساتيرنا مائة بالمائة.
 فللتكنولوجيا أثرها الملحوظ على غاياتنا من الحياة، بل إن التكنولوجيا قد تكون غاية في ذاتها بعض الأحيان، يقول:
فهل تعرفون ضيفًا ثقيلًا وأكثر مشاكسة وشيطنة من التقنية؟ مثل هذا المخلوق الهائل دخل حياة الإنسان وعالمه بكل ما له من تعقيدات، ولهذا نراه يغير ذهنية الإنسان ونمط حياته، وعلاقاته، ووضعه الروحي، والأهم من كل ذلك غايته من الحياة. دونت بحثًا أسميته (الصناعة والقناعة) يمكن أن تساعد مطالعته على فهم أعمق لما أطرحه هنا، ويغنيني في هذا المقام عن ذكر بعض النقاط. أوضحت هناك ماهية الصناعة والتقنية وخصائصهما وما تفعلانه بنا. ببيان أبسط وأكثر عصرية، تحمل السيارة معها ثقافة، تأخذنا إلى كافة الناس سواء كانوا مثقفين أو غير مثقفين، وتفرض عليهم صبغتها. لـ(ماركس) عبارة في غاية الذكاء، يقول عن البرجوازية: “إنها حولت العالم كله إلى صورتها”. لقد أطلق (ماركس) فكرته هذه في القرن التاسع عشر. إذا كانت هذه العبارة صادقة في حق البرجوازية، فهي أصدق بالتأكيد في حق التقنية. لقد حوّلت التقنية العالم كله إلى صورتها، بمعنى أنها حيثما رحلت أخذت معها أشياء لم يستطع أرباب الآلات ومخاطبو التقنية بعد ذلك العيش من دونها، أي أن ثقافة التقنية وغاياتها فرضت عليهم، وأرغموا هم على قبولها. إنني في الوقت الحاضر لا أرمي إلا لميزة واحدة من مميزات التقنية وهي صنع الغايات. لقد غيرت الآلات والتقنيات غاياتنا من الحياة. ربما كان من الصعب على من عاش داخل مناخ التقنية ونشأ في أحضانها، وباع كل ذهنه لها وأنا لا ألومه على ذلك اكتشاف البون بين ذهنية تقنية وأخرى غير تقنية. كالسمكة التي تعيش بالماء وهو يحيط بها من كل الجهات دائمًا فإنها تعجز عن تكوين أي تصور عن عالم البر. الماء حاجز لا يسمح للأسماك بالخروج إلى البر، ولا يجيز لمن هم في داخل البر الدخول إلى أعماق البحر. كلّ يخوض في عالمه الخاص. من هنا كان الأسلوب الأمثل لاكتشاف قصة التقنية، وذهنية الإنسان الحديث، مراجعة التاريخ، فما لم نعد إلى تاريخ الإنسان، وتاريخ الحضارة، وتاريخ العلم، سيبقى وعينا للتقنية ناقصًا أحادي الاتجاه، وهذا ما سيترك بطبيعة الحال تأثيره على أحكامنا، بمراجعة تاريخ الإنسان، الفكري والعقلي تتجلى لنا معالم هذه القصة أكثر.