د.علاء جواد والعلاقة بين الفن وماهية الإنسان

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) حاول تتبع تطور مفهوم الفرد والإنسان عبر التاريخ، وفي أفكار الفلاسفة والمثقفين. فيقول في أحد الفصول الأخيرة بنهاية الكتاب، كان عنوانها “أسئلة الفرد أو عوالم الرواية من منظور سوسيولوجي“:

يبدو أن السؤاال: عن ماهية الإنسان؟ أكثر أهمية من السؤال عن حقيقته؟ لكن كلا السؤالين تهربت العلوم الإنسانية من البت فيهما وهي المعنية بهما فعلًا.

وبحسب رأيه فإن كلًا من هذه السؤالين تم التنازل عنهما لصالح الفن والأدب:

ثم ألحقا -أقصد السؤالين- نهائيًا بفضاءات الفن والأدب والأشكال الفنية الأخرى، لذا تم ترحيل السؤال حول حجم أصالتنا والمعنى من وجودنا إلى عمق الموجود الرمزي، وتحطم الفرد في المجتمع في (الحياة في مكان آخر) لـ(ميلان كونديرا)، و(المكعبات اللونية) في لوحة (مودلياني) لـ(بيكاسو)، ومساحات الضباب والحلم والعمق الوجداني في سوناتات البيانو الخاصة بـ(بيتهوفن) أو (شوبان)؛ بوصفها أفعال إبداعية أو العوالم التي “تحاول وتعمل على إعادة تعريف الإنسان“. لكن هذا لا يعني أننا في مشكلة أو في قبو مظلم بلا مخارج أبدًا .. لأن في عوالم الأدب هنالك دائمًا متسع للتأمل في حال الدنيا وأحوال الإنسان. وإذ ذهبنا وراء سحر هذه التأملات فلأننا على يقين أن هؤلاء الذين يبحثون عن المعنى هم الذين اكتشفوا مقولات الفن والتوصيفات السايكو-سوسيولوجية التي تعمل اليوم داخل النص والنماذج الأدبية.

ثم يخصص حديثه عن الرواية فيقول:

الرواية كما ظهرت في تفصيلات هذا البحث ليست إلا شكلًا من أشكال تأمل هؤلاء، الساعين والباحثين عن المعنى، كما أن جنس الرواية وهذه إحدى معضلات (سوسيولوجيا الرواية) اليوم لم يتح له أو يولد لولا تصاعد سخط فردي انفعالي على بنى اجتماعية لم يصغ مفاهيم عامة محددة أو “نمو تطلع انفعالي نحو التحقيق المباشر لقيم كيفية سواء تصاعد هذا السخط أو نما هذا التطلع في المجتمع كله، أو حدث ذلك فقط بين الفئات الوسطى التي خرج من ظهرانيها أغلب الروائيين“.

ويقول في ختام هذا الفصل:

لقد انشغلت أعمال الكثيرين من الروائيين في الإجابة عن ناهية الإنسان وحقيقته وحالة المصير المرتقب. (رينيه جيرار) بحث عن محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة في أغلب دراساته، فخلص في قراءاته لنصوص خمس من أكبر روائيي العالم -(ثيربانتس)، (ستندال)، (فلوبير)، (بروست)، (دستويفسكي)- وهم جميعًا بالرغم من الاختلافات التي توجد بينهم، إلا أنهم جميعًا كشفوا عن حقيقة قلقة، صاغوا بالاستناد إليها إجابة احتجاجية مفادها: عدم أصالة الكائن الإنساني. وأكذوبة العالم ووهميته وتوصلوا أخيرًا إلى أن تحديات المصير تفوق قدرة الإنسان على الاستمرار.

ثم يكمل الحديث عن الروايات في فصل آخر، حمل عنوان “الرواية: بوصفها أنموذجًا جماليًا لأنثروبولوجيا المصير“:

تعد الرواية وفق تنظير (سوسيولوجيا الأدب الحديث) محاولة تراجيدية لفرد إشكالي، خلاق لاجتياز الحواجز والقفز على جدران الذات، الجسد، المجتمع، الدولة، الجغرافيا، محاولة فردية مأساوية لكسر حواجز البنية والنسق، كما أنها لا تخرج أبدًا عن كونها سيرة الذات المعذبة، وسيرة الفرد الإشكالي.

مما يجعل الفن وعلاقته بالفرد:

إن عملية تشكيل المتخيل الجمالي: [النص – الألوان – الموسيقى] في نظام جمالي إبداعي. تمر من هنا بوصفها فعالية فردانية احتجاجية ترفض وتنقض مبهمات المصير، مشحونة بدوافع سايكولوجية محضة، لكنها تدعم ويتم تصعيدها بفعاليات سوسيولوجية تظهر إبداعيًا من خلال مواجهة الفرد (المشكِل للنص) للعوائق الاجتماعية التي تضعها قوى التاريخ والمجتمع في طريقه والتي يحاول جاهدًا اجتيازها، القفز والاتفاف عليها في نصوصه الإبداعية من خلال لغة وأبطاله، حواراته وتقنيات السرد التي يوظفها في تأسيسه للنص المتضمن بالضرورة على [مجتمع متخيل] يشغله الفرد الذي يصارع تساؤلات المصير فينقض عليه الواقع. ما يدفعه إلى الالتفاف عليه إبداعيًا .. إن التشابك الأساسي بين البطل والعالم، والإخفاق الناجم عن هذا التشابك هو شرط أساس لكل شكل روائي إبداعي، أما الانقطاع بينهما فلا يمكن تجاوزه.

ثم يكمل، فيقول عن الروايات:

إن ظهور الرواية كجنس أدبي يرتبط إلى حد كبير بتحول مجتمع ما من مجتمع ذي طابع جماعي (ترتبط به الملحمة) إلى مجتمع فردي النزعة، نستطيع هنا التأكيد على هذه الفرضية من خلال تقديم الملاحظة الأساسية التي وردت في أعمال (غولدمان) على أن الأعمال الروائية والأدبية والفنية الأصيلة هي “تلك التي تعكس ذاك الانتقال بين فترتين أو عالمين؛ تعكس صيرورة عالم تهاوت فيه كونية القيم القديمة، وأحذت قيم جديدة تبزغ إلى الوجود. وإذا ما بحثنا عن دلالة هذه الأعمال سنجد بأن هؤلاء الكتاب أو الفنانين، مع تقبلهم للقيم الجديدة وتمثلهم لها، يحاولون العثور على الكونية المفقودة بعد انهيار العالم القديم”. بعد أن يكوّن الفنان رؤيته إلى العالم تأتي المهمة الأكثر صعوبة: وهي خلق الأشكال الأكثر انسجامًا مع تلك الرؤية للعالم.