لماذا لم يكتب المنفلوطي في السياسة ؟ المنفلوطي بنفسه يجيب

20860_1

اشتهر العديد من الكتاب والعلماء باعتزال السياسة تماماً. فالإمام محمد عبده مشهور بعبارته “لعن الله ساس ويسوس وسياسة، وما دخلت السياسة في شيء إلا أفسدته”. وفي كتابه القيم (النظرات) يورد الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي – الأديب والكاتب المصري- إجابة عن سؤال ورده هو

مالك لا تكثر من الكتابة في الشؤون السياسية، اكثارك منها في الشؤون الأخلاقية والاجتماعية ؟ وكيف يضيق بالسياسة قلمك، وقد وسع ما هو أدق مذهبًا منها، فاكتب لنا في السياسة، فأمتك تحب أن تراك سياسيًا.

حيث أجاب عليه قائلاً

يعلم الله أني أبغض السياسة وأهلها بغضي للكذب والغش، والخيانة والغدر.

أنا لا أحب أن أكون سياسيًا، لأني لا أحب أن أكون جلادًا، لا فرق عندي بين السياسيين والجلادين، إلا أن هؤلاء يقتلون الأفراد، وأولئك يقتلون الأمم والشعوب.

هل السياسي إلا رجل قد عرفت أمته أنه لا يوجد من هو أقسى منه قلبًا، ولا أعظم كيدًا، ولا أكثرهم دهاءً ومكرًا، فنصبته للقضاء على الأمم الضعيفة، وسلبها ما وهبها الله من الحسنات، وأجزل لها من الخيرات ؟

أليس أكبر السياسيين مقامًا، وأعظمهم فخرًا، وأسيَرهم ذكرًا، ذلك الذي نقرأ صفحات تاريخه فنرى حروفها أشلاء للقتلى، ونقطها قطرات الدماء ؟

أيستطيع الرجل أن يكون سياسيًا إلا إذا كان كاذبًا في أقواله وأفعاله، يُبطن ما لا يظهر، ويظهر ما لا يظن، ويبسم في موطن البكاء، ويبكي في موطن الابتسام ؟

أيستطيع الرجل أن يكون سياسيًا .. إلا إذا عرف أن بين جنبيه قلبًا متحجرًا لا يقلقه بؤس البائسين ولا تزعجه نكبات المنكوبين ؟

كثيرًا ما يسرق السارق، فإذا قضى مأربه من عمله .. رفع يده متضرعًا إلى الله تعالى أن يرزقه المال حلالًا حتى لا يتناوله حرامًا، وكثيرًا ما يقتل القاتل ، فإذا فرغ من أمره، جلس بجانب قتيله يبكي عليه بكاء الثاكل وحيدها، ويتمنى بجَدع الأنف لو رد إليه حياته، وافتداه بنفسه. أما السياسي فلا يرى يومًا في حياته أسعد من اليوم الذي يعلم فيه أن قد تم له تدبيره في هلاك شعب، وقتل أمة، وآية ذلك أنه في يوم الانتصار – كما يسميه هو – أو في يوم جريمته – كما أسميه أنا – يسمع هتاف الهاتفين باسمه، واسم الجريمة التي ارتكبها مطمئن القلب، مُثلج الصدر، حتى ليخيل إليه أن الفضاء بأرضه وسمائه أضيق من أن يسع قلبه الطائر المحلق فرحًا وسرورًا.

(…)

هؤلاء هو السياسيون، وهذه هي أخلاقهم وغرائزهم، فهل تظن يا سيدي أن رجلًا نضب نفسه لخدمة الحقيقة، ومناصرتها على الباطل، واستنفاذ الفضيلة من مخالب الرذيلة، ووقف قلمه على تهذيب النفوس وترقية الأخلاق .. وملأ في رسائله فضاء الأرض والسماء بكاءً على الضعفاء والمساكين والمظلومين والمضطهدين، يستطيع أن يكون سياسيًا، أو محاسبًا للسياسيين ؟