رسالة أحمد أمين عن الشرق والغرب

الأديب-أحمد-أمين

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته ”فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”.  في كتيبه إلى ولدي، وهو رسائله ونصائحه إلى أبناؤه كتب يقول عن الفروقات الأساسية بين بلاد الشرق والغرب فيقول:

أي بني !
إن العالم اليوم كبوتقة الصائغ، تصب فيها كل العناصر من شرق وغرب وقديم وحديث، ثم تستغل كلها ليؤخذ خيرها، وهي تتطلب من الإنسان أن يكون مرنًا واسع الصدر .. لا يزدري ما في الشرق لشرقيته، ولا يُمجّد الغرب لغربيته، وإنما يمجّد الحق حيث كان. فنصيحتي أن تكون مفتَّح العينين، مفتّح الأذن. تتطلب الحق حيث كان، لا تأبه للجديد لجدته، ولا تنفر من القديم لقدمه.
إن للشرق مزايا لا يستهان بها، فكمته مركزة متبلورة، وهو يعتمد على الإلهام أكثر مما يعتمد على العلم والتجربة والحقيقة. وللغرب مزايا لا يستهان بها، فهو يعتمد على الحقيقة والتجربة والعلم، ولكن كانت لنتيجة العلم الأوروبي القنبلة الذرية، وهذه القنبلة ينقصها النظر إلى خير الإنسانية لا إلى استعمالها في الغلبة. ولو استكشفت وصحبها النظر إلى خير الإنسان لاكتشف تحطيم الذرة لا القنبلة الذرية، ولاستخدمت في خير الإنسان، من إزالة سدود وقيود قبل أن تستخدم في القنابل. أم قصد الغلبة فيرمى إلى القنبلة الذرية أكثر مما يرمي إلى خير الإنسانية، لأن القنبلة الذرية إنما تستعمل في الفتك لا النفع.
أي بني !
خير ما تواجه به هذا الزمان، سعة دراستك ووقوفك على حقائق الشرق والغرب، وانتفاعك بما في كلٍّ من مزايا. وعيب الشرقيين شعورهم بمركب النقص أمام المدنية الحديثة، فهم يقدرونها فوق قيمتها، ويقدرون أنفسهم أقل من قيمتهم، ولو أنصفوا لزادوا من قيمة أنفسهم وقللوا من قيمة المدنية الغربية.
فالمدنية الحقة إنما تقاس بإسعاد الناس لا بكثرة الاختراع ولا بكثيرة التجارب. نعم إن المدنية الغربية أكثر اختراعًا وأكثر تجارب، ولكنها ليست أكثر إسعادًا للناس، فكثرة حروبها وكثرة تكاليف الحياة عندها وكثرة مطالبها، جعلتها أشق على الحياة وأفقدتها قيمتها في السعادة.
أي بني !
لست أريد أن أبثك رأيي وألزمك به، فأنت حر في اختيار آرائك ووزنها بميزانك، ولكن هذا لا يمنعني من أن أبث إليك بعض آرائي لا عن طريق إلزامك بها، ولكن رغبتي في نفعك جعلتني أعرض عليك كل ما أرى لترى فيه ما ترى.