رسالة أحمد أمين في التربية على الجمال

الأديب-أحمد-أمين

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته ”فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”، كما أنشأ مع بعض زملائه سنة 1914م “لجنة التأليف والترجمة والنشر” وبقي رئيسا لها حتى وفاته. وشارك في إخراج “مجلة الرسالة“. كذلك أنشأ مجلة “الثقافة” الأدبية الأسبوعية . وبعد توليه الإدارة الثقافية بوزارة المعارف، أنشأ ما عرف باسم “الجامعة الشعبية” وكان هدفه منها نشر الثقافة بين الشعب عن طريق المحاضرات والندوات. في نفس الفترة، أنشأ “معهد المخطوطات العربية” التابع لجامعة الدول العربية. في كتيبه إلى ولدي، وهو رسائله ونصائحه إلى أبناؤه كتب فقال:

أي بني !
إن الذوق عملَ في ترقية الأفراد والجماعات أكثر مما عملَ العقل. فالفرق بين إنسان وضيع وإنسان رفيع، ليس فرقًا في العقل وحده. بل أكثر من ذلك فرق في الذوق. وإن كان العقل أسس المدن، ووضع تصاميمها، فالذوق جمّلها وزيّنها. إن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الفرد، فجرّده من الطرب للموسيقى والغناء، وجرّده من الاستمتاع بمناظر الطبيعة وجمال الأزهار، وجرّده من أن يهتز للشعر الجميل، والأدب الرفيع، والصورة الرائعة، وجرّده من الحب في جميع أشكاله ومناحيه، ثم انظر بعد ذلك ماذا عسى أن يكون وماذا عسى أن تكون حياته.
وإن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الأمة، فجرّدها من دُور فنونها، وجردها من حدائقها وبساتينها، وجردها من مساجدها الجميلة والجليلة وكنائسها الفخمة، وعمائرها الضخمة، وجردها من نظافة شوارعها، وتنظيم متاحفها، ثم انظر بعد ذلك إلى قيمتها، وفيما يميزها عن غيرها من الأمم المتوحشة والأمم البدائية.
أي بني !
إن للذوق مراحل كمراحل الطريق، ودرجات كدرجات السلم. فهو يبدأ بإدراك الجمال الحسي : من صورة جميلة، ووجه جميل، ،زهرة جميلة، وبستان جميل، ومنظر طبيعي جميل. ثم إذا أحسنت تربيته ارتقى إلى إدراك جمال المعاني، فهو يكره القبح في الضعة والذلة، ويعشق الجمال في الكرامة والعزة، وينفر من أن يظلم أو يُظلم ويحب أن يعدل ويُعدل معه، ثم إذا هو ارتقى في الذوق كره القبح في أمته وأحب الجمال فيها، فهو ينفر من قبح البؤس والفقر والظلم فيها، وينشد جمال الرخاء والعدل في معاملتها، فيصعد به ذوقه إلى مستوى الصالحين. فالإصلاح المُؤَسس على العقل وحده لا يجدي، وإنما يجدي الإصلاح المؤَسس على العقل والذوق جميعًا. ثم لا يزال الذوق يرقى إلى أن يبلغ درجة عبادة الجمال المطلق والفناء فيه.
فعلى هذا الأساس نظِّم ذوقك : استشعر الجمال في مأكلك وملبسك ومسكنك، وصادق الزهور وتعَشَّقها، ثم أنشدِ الجمال في مجال الطبيعة ومدَّ بين قلبك ومناظر البساتين والحدائق – والسماء ونجومها، والشمس ومطلعها ومغيبها، والبحار وأمواجها، والبحار وجلالها – خيوطًا حريرية دقيقة تتموج بموجاتها، وتهتز بهزاتها، ثم انظر إلى الأخلاق على أن فضائلها جمال، ورذئلها قبح، لا على أن فضائلها منفعة ورذائلها متلفة، ثم غنِّ للجمال واهتف به حيثما كان، واعبده وافنَ فيه، وأنا واثق أنك ستسعد بذلك سعادة لا يتذوقها ذوو الشهوات، ولا أصحاب رؤوس الأموال، ولا الفلاسفة والعلماء.