سر فقر الدول الفقيرة عند تيم هارفورد

philosophy

تيم هارفورد إقتصاد و صحفى إنجليزى مؤلف كتاب (المخبر الإقتصادى) الذى بيعت منه ملايين النسخ و حقق نجاحاً كبيرًا، و فى هذا الجزء يتحدث عن سر فقر الدول الفقيرة و قد اتخذ دولة الكاميرون كمثال و يقول  :

لماذا لا نرى الشعب الكاميرونى يحاول أن يفعل شيئاً حيال ذلك ؟ ألا تستطيع المناطق الكاميرونية تحسين مدارسها ؟ ألا تزيد المنافع عن التكاليف ؟ ألا يقدر رجال الأعمال الكاميرونيين على بناء المصانع و إستيراد التكنولوجيا و البحث عن شركاء أجانب .. و جنى الثورة من كل هذا ؟!
من الواضح أن الإجابة لا . أوضح مانكور أولسون أن حكم اللصوص يعوق النمو فى الدول الفقيرة . فإذا كان الرئيس لصاً ، فقد لا يسبب الهلاك بالضرورة لشعبه ، بل إنه قد يفضل دفع عجلة الإقتصاد حتى يحصل على نصيب كبير من كعكة أكبر . و لكن بوجه عام فإن أعمال السلب و النهب سوف تنتشر ، إما لأن الدكتاتور غير متأكد من طول الفترة التى سيظل فيها فى الحكم ، أو لأنه يبغى السماح لأتباعه بالسرقة لكى ينعم بتأييدهم المستمر .
و تحت سفع هرم الثروة ، تفشل التنمية لأن قواعد المجتمع و قوانينه لا تشجع المشروعات أو الأعمال التجارية التى ستكون للصالح العام . فإن أرباب العمل لن يمارسوا أعمالهم التجارية بشكل رسمى – لصعوبة ذلك – و بالتالى لا يدفعون الضرائب ، و مسئولو الحكومة يطلبون تنفيذ مشروعات لا معنى لها ، إما بهدف الوجاهة أو بهدف إثراء أنفسهم ، و تلاميذ المدارس لا يمانعون من الحصول على مؤهلات غير مفيدة .
وليس من الجديد أن نسمع عن الدور المهم عن الفساد و الدوافع الغير مناسبة ، و لكن ربما من الجديد أن نكتشف أن مشكلة الأنظمة و القوانين الملتوية لا تشرح فقط بعضاً من السبب وراء الهوة بين الكاميرون و الدول الغنية ، و إنما تشرح السبب بأكمله .
فالدول أمثال الكاميرون تجد حالتها أقل بكثير من إمكانياتها و طاقاتها ،  حتى لو أخذنا فى الإعتبار بنيتها التحتية الضعيفة أو إستثماراتها الضئيلة أو حدها الأدنى من التعليم . و لكن الأسوأ من هذا أن شبكة الفساد تحيط بكل جهد لتطوير تلك البنية و جذب الإستثمار و الإرتقاء بمستوى التعليم .

و حول تحديد حقيقة ما ينقص الكاميرون  خاصة – و الدول الفقيرة عامة – لتحقيق التقدم يقول :

لم نصل بعد إلى رأى مناسب يمكنه تحديد ما ينقص الكاميرون أو ماينقص فى الحقيقة الدول الفقيرة فى العالم . ولكن بدأت تلوح لنا فكرة عنه ، إذ يسميه البعض ” رأس المال الإجتماعى ” و أحياناً ” الثقة ” و يسميه آخرون ” حكم القانون ” أو ” الأعراف ” . و لكن ليست كلها إلا مجرد مسميات . فما يزيد مشكلة الكاميرون تعقيداً هو أن حالها مقلوب رأساً على عقب – مثلها فى ذلك العديد من الدول الفقيرة – حيث أن معظم مواطنيها يحبون القيام بالأعمال التى تسبب الضرر للآخرين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر .
لقد أصيبت الحكومة بإنهيار المعايير ثم أصيب بها المجتمع بأسره .
و الآن ها قد بدأنا نفهم قدر أهمية المشكلة ، و يمكننا البدء فى دفع الأمور نحو الأفضل . و لكن مقاومة الحلول متأصلة فى طبيعة المشكلة ، و لهذا فإن معالجتها عملية شاقة بطيئة . لا يستسيغ عقلنا فكرة فرض الديمقراطية بالقوة ، و حتى إذا فعلنا ذلك ، فستتولد أنظمة لن تٌكتب لها الإستمرارية .
بالتأكيد لا يمكن حل هذه المشاكل بين عشية و ضحاها ، ولكن بعض الإصلاحات البسيطة – التى يصاحبها قدر يسير من الإرادة من رجال السياسة – يمكنها تحويل الدول الفقيرة مثل الكاميرون للسير فى الإتجاه الصحيح .