سر كآبة المدن الفاضلة عند برتراند راسل

image

الفيلسوف البريطاني والناقد الاجتماعي ذائع الصيت برتراند راسل يتحدث -في كتابه “أسس لإعادة البناء الاجتماعي”- عن سر كآبة “المدن الفاضلة” التي طالما اقترحها الفلاسفة على مر الزمن.

كل المدن الفاضلة التي تم اقتراحها حتى الآن هي مضجرة إلى حد لا يحتمل. يفضل اي إنسان فيه ذرة واحدة من الحيوية العيش في هذا العالم بكل مافيه من أهوال مرعبة على أن يعيش في جمهورية أفلاطون أو بين الحوريات التي وصفها جونثان سويفت. يقوم بناة المدن الفضلى برسم مدنهم بعدما قدموا افتراضاً خاطئاً عما تكون الحياة الفاضلة. يعتقدون أن من الممكن تصور مجتمع ما وطريقة حياة ما تُلقب بالفاضلة للمرة الأولى ومن بعدها تبقى فاضلة هكذا إلى الأبد. ولكن يفوتهم ان الجزء الأكبر من سعادة الانسان يتوقف على الحركة والعمل بينما لا يتوقف إلا جزء قليل من سعادته على التمتع الصامت. إن الملذات الناتجة عن التمتع الصامت ذاتها لا تولد في الناس حالة رضى إلا إذا حصلت في مناسبات تتخلل العمل . يشابه المصلحون الاجتماعيون بناة المدن الفاضلة في تغافلهم عن هذه الحقيقة الواضحة للطبيعة الانسانية. يطمح المصلحون الاجتماعيون في ضمان وقت أطول للراحة وفي فرص أكثر للتمتع بهذه الراحة، أكثر مما يطمحون لجعل العمل ذاته أكثر كغاية واكثر تناسقاً مع الميل إلى العمل، ولا يفطنون للمطالبة بجعل العمل منفذاً أفضل للإبداع والرغبة في استخدام كل قوى الانسان الطبيعية. العمل في كل أنحاء العالم وعند كل من يعتمد على أجرة يومية تقريباً ليس إلا مجرد عمل وليس تحقيقاً للرغبة في الحركة والنشاط.