شروط المثقف عند أنطون تشيخوف

1537064a67eefba5d87d7b

 

أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860-1904) هو طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي، يصفه البعض بأنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، ومن كبار الأدباء الروس. كتب المئات من القصص القصيرة التي اعتبر الكثير منها إبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كان لها تأثير عظيم على دراما القرن العشرين. تم تجميع عدد من رسائله العائلية في كتاب يحمل اسم (رسائل إلى العائلة)، يرد فيه (تشيخوف) في رسالة إلى أخيه (نيكولاي) حين أرسل إليه يشتكي بأن الناس لا يفهمونه، فقال له:

إن الناس يفهمونك جيداً، وإذا لم تفهم نفسك، فذلك ليس خطأهم.

ثم خلال الرسالة يحاول (تشيخوف) أن يشرح له أن هذا بسبب أمر واحد وهو الإخفاق الوحيد في نظره فقال:

لديك إخفاق واحد، ويعود إليه زيف وضعك، وتعاستك واضطراب أمعائك. ويتمثل هذا الإخفاق في افتقارك التام للثقافة. سامحني، من فضلك، لكن-كماتعرف- للحياة شروطها. فمن أجل أن تعيش نرتاحاً بين المتعلمين، ولتتمكن من معايشتهم بسعادة، يجب أن تحوز قدراً محدداً من الثقافة. إن الموهبة لتدخلك في مثل هذه الدائرة، فأنت تنتمي إليها، لكن، يتم سحبك بعيداً عنها للتأرجح بين المثقفين والمستأجرين.

ومن ثم يبدأ تشيخوف بوضع شروط يجب أن يستوفيها المثقفين في ٨ نقاط وهي :

١) احترم الجانب الإنساني في الشخصية، ولهذا السبب هم دائماً ودودون، دمثون، ومستعدون للعطاء. إنهم لا يتشاجرون بسبب مطرقة أو قطعة مفقودة من المطاط الهندي، وإذا عاشوا مع أحد لا يعدون ذلك منحة منهم، ويرحلون دون أن يقولوا “ليس بوسع أحد أن يعيش معك”، إنهم يصفحون عن الضوضاء والبرودة واللحم المقدد والنكات ووجود غرباء في منزلهم.

٢) يتعاطفون، ليس فقط مع المتسوليين والقطط. وتتفطر قلوبهم لما يرونه أو لا يرونه. إنهم يسهرون الليل لمساعدة شخص ما، ولدفع نفقات الإخوة في الجامعة، ولشراء الملابس لأمهاتهم.

٣) إنهم يحترمون ممتلكات الآخرين، ولهذا يسددون ماعليهم من ديون.

٤) إنهم مخلصون، ويخشون الكذب كما تخشى النار. إنهم لا يكذبون حتى ولو في الأشياء الصغيرة. فالكذب إهانة للمستمع ويضعه في منزلة أدني بالنسبة للمتحدث. لا يتظاهرون، بل لا يتغير سلوكهم في الشارع عنه في المنزل، ولا يتعمدون الاستعراض أمام رفاقهم الأقل منزلة. لا يثرثرون. ولا يثقلون على الآخرين بثقتهم بأنفسهم. واحتراماً منهم للآخرين، فإنهم يميلون إلى الصمت أكثر من الكلام.

٥) لا يحطون من قدر أنفسهم للحصول على شفقة الآخرين. ولا يلعبون على شغاف قلوب الآخرين، ليجعلوهم يتنهدون ويستحوذون عليهم. ولا يقولون “يساء فهمي” أو “لقد أصبحت شخصاً من الدرجة الثانية”، لأن كل ذلك ليس سوى سعي وراء تأثير رخيص، ومبتذل وتافه وزائف.
هم لا يعانون من الخيلاء والغرور. ولا يحفلون بتلك الماسات الزائفة (أقصد المشهورين)، ولا يأنفون من مصافحة السكير، وينصتون إلى صيحات إعجاب مشاهد مشتت في معرض للصور الفتوغرافية، ويترددون كثيراً إلى الحانات.

٦) وإذا أبرموا صفقة متواضعة، فإنهم لا يتباهون كما لو كانوا عقدوا صفقة بمئة روبيل، ولا يعطون لأنفسهم أولوية على الآخرين. إن الموهوب الحقيقي دائماً مايحافظ-دوماً- على اندماجه بين الجموع، وبعيداً قدر المستطاع عن الإعلان، وحتى كرايلوف، قال- سابقاً- إن البرميل الفارغ يصدر عنه صدى صوت أكثر من البرميل الممتلئ.

٧) إذا كانت لديهم موهبة يحترمونها، ويضحون في سبيلها بالراحة والنساء والخمر والخيلاء. إنهم فخورون بموهبتهم، وبالإضافة إلى ذلك من الصعب إرضاؤهم.

٨) ينمون الحس الجمالي داخلهم. ولايستطيعون الذهاب إلى النوم بملابسهم، ولايتحملون رؤية الشروخ ممتلئة بالحشرات، أو تنفس هواء فاسد، أو السير على أرض عليها بصاق، أو أن يطهوا وجباتهم في موقد زيتي. ويسعون قدر استطاعاتهم إلى كبح جماح رغباتهم الجنسية والسمو بها. وليس مايرغبونه في المرأة أن تكون رفيقة فراش، ولايطلبون المهارة التي تظهر عبر المضاجعات المتتالية. إنهم يرغبون،- خاصة الفنانيين منهم- بالأناقة، والإنسانية، والاحتواء، والأمومة. إنهم لايشربون الفودكا طوال ساعات النهار والليل، ولايتشممون رفوف الخزانات، لأنهم ليسوا خنازير، ويعلمون أنهم ليسوا كذلك. ويتناولون الشراب-فقط- عندما يكونوا غير مرتبطين بعمل أو في عطلة.

ثم بعد ذلك يعقب (تشيخوف) قائلاً:

لا يكفي على المثقف أن يقرأ “أوراق بيكويك” أو أن يحفظ منولوجاً من “فاوست”، فإن مايحتاجه المثقف هو العمل الدائم، ليل نهار، والقراءة المستمرة، والدراسة، والإرادة، فكل ساعة هي ثمينة بالنسبة له.

Screen Shot 2014-11-23 at 2.33.14 PM

للاطلاع على الرسالة