شوبنهاور والأسلوب في الكتابة

Schopenhauer

آرثر شوبنهاور (1788 – 1860) فيلسوف ألماني، معروف بفلسفته التشاؤمية. تحفل مقالات (شوبنهاور) باستبصارات عميقة وعبارات لا تُنسى، فهي أوابد القول وشوارد من الفكر وشرارات قدحها عقله اللامع وألبسها ثوباً قشيباً من الفطنة والجلاء ومن أمثلتها:

 القلم للفكر مثل العصا للسائر، إلا أن مشيك يكون أيسر متى كان بلا عصا

أو مقولته:

القراءة إن هي إلا التفكير برأس إنسان آخر لا برؤوسنا نحن

و قد أعاد (المركز القومي للترجمة) ترجمة كتاب (فن الأدب: مختارات من شوبنهاور) والذي قد أعدّه (بيلي سوندرز). ويتيح لنا الكتاب الإطلالة على جانب من فكر شوبنهاور – جانب الناقد الأدبي و فيلسوف علم الجمال – و هو من أخصب جوانب فكره. كما يقول (ماهر شفيق فريد) في تصديره للكتاب. أمّا عن الكتاب فيضم ثمانية فصول عن أشكال الأدب و الأسلوب و النقد و في تفكير المرء لنفسه و عن الشهرة و العبقرية و غيرها.

و قد ذكر في مقالة الأسلوب تعريفاُ للأسلوب بقوله: 

الأسلوب هو تقاطيع الذهن و ملامحه؛ وهو منفذ إلى الشخصيّة أكثر صدقاً و دلالة من ملامح الوجه. ومحاكاة الكاتب لأسلوب غيره أشبه بارتداء قناع وهو ما يلبث أن يُثير التقزز والنفور لأنه مواتٌ لا حياة فيه، حتى ليفضله أكثر الوجوه قبحاً مادام فيه رمق من حياة.

و أضاف:

والتكلف في الأسلوب أشبه ما يكون بالتلاعب بملامح الوجه وفوق ذلك كله فإن اللغة التي يكتب بها الكاتب هي بمثابة تقاطيع الوجه من الأمة التي ينتمي إليها.

و ليس من الضرورة المباشرة لتقييم نتاج أي كاتب تقييماً وقتياً أن نلم بالمضمون الذي يتناوله فكره أو الأقوال التي تحويها كتاباته عن ذلك المضمون، لأن ذلك يتطلب اطلاعاً كاملاً على كل أعماله، إنما يكفي أساساً، أن نتبيّن كيف يُفكر. وهذهِ الكيف التي تعني المزاج الجوهري أو المستوى العام لذهنه، يمكن أن نتبينها – على وجه التحديد – من أسلوبه. فأسلوب الكاتب يكشف عن الطبيعة الشكلية لكل أفكاره، الطبيعة الشكلية التي لا يمكن أن تتغيّر أبداً مهما كان موضوع أفكار الكاتب أو طابعها. لأن تلك الطبيعة الشكليّة تكون بمثابة الخامة التي تصاغ منها كل محتويات ذهنه.

و يطرح شوبنهاور سؤالًا مفاده: “الإنسان إذا كان لديه ما يُقال, أيّ طريقٍ يختار؟ الإبهام أم الوضوح في التعبير عن نفسه؟

يُبدي كوينتيليان ملاحظة في ذلك مؤدّاها أن مايقوله الإنسان المثقف ثقافة عالية يكون عادةً أسهل فهماً، و أكثر وضوحاً، و أنه بقدر ما تقلّ ثقافة الإنسان، بقدر ما يزداد ميله إلى الغموض فيما يكتب. فالمؤلف يجب أن يجتنب أن العبارات التي تبدو كالطلاسم، لأنه يجب أن يعرف ما إذا كان يردي أن يقول الشيء أو لا يقوله، لأن ذلك التردد في الأسلوب هو الذي يجعل الكثيرين من الكتّاب فاترين تمجّهم النفس.

و كما أن المبالغة تستتبع دائماً عكس المقصود منها، فإن الكلمات وإن كانت حقاً تستخدم في جعل الفكر مفهوماً، فإن ذلك لا يتخطّى حداً محدوداً، بحيث يكون تكويم الكلمات وراء ذلك الحد مردياً إلى انقلاب الفكر إلى غموض متزايد، و مشكلة الأسلوب الأولى هي: تحديد النقطة التي يحدث بعدها ذلك الأثر العكسي، و لا سبيل إلى ذلك التحديد إلا عن طريق الملكة النقدية، لأن كلمة واحدة زائدة على الحاجة تؤدي إلى عكس المقصود تماماً. 

ولذلك فإنه يتعيّن اجتناب كل إفراط و تزيد في القول، وكل تجميع لملاحظات لامعنى لها ولا جدوى من مطالعتها. فالكاتب يجب أن يقتصد، ما أمكن في استنفاد وقت القارئ وصبره وانتباهه، وذلك بغيّة إقناع القارئ أن المؤلف الذي يقرأ له لا يكتب إلا ماهو جدير بالتدبّر و الدراسة. ومن الأفضل أن يُحذف شيء جيّد من أن يُضاف ماليس جديراً بالقول أصلاً. وذلك هو التطبيق الأمثل لقول هزيود المأثور: “النصف أكثر من الكل“. فسرُّ الإملال هو قول المرء لكل ماعنده. ولذلك ما وسع الجهد: الجوهر فقط!

مجرد أفكار تقود القارئ و تفتح له آفاقاً جديدة! ولاشيء يستطيع القارئ أن يتفكر فيه بنفسه. و استخدام عديد الكلمات لإيصال القلّة من الأفكار هو دائماً علامة لا تخطئها العين على انعدام التفوق لدى أوساط الناس، و على العكس, فإن شحن القليل من الكلمات بالكثير من الفكر، هو دائماً علامة التفرّد و النبوغ.

و لخّص ذلك في موضع آخر بقوله:

الفكرة الواضحة سرعان ما تجد الكلمات التي تناسبها. و بذلك, فإنه متى كان قادراً على مزاولة التفكير أصلاً، فإنه يكون قادراً على التعبير عن فكره بوضوح في ألفاظ مفهومة محدودة المعنى.

و أيضاَ قوله:

و مما يُفيد الكتّاب أكبر الفائدة، أن يُدركوا أنه و إن كان ينبغي للمرء أن يُفكر ما استطاع كعبقريّ كبير، إلا أنه يتعيّن عليه أن يتكلّم اللغة التي يتكلّمها سائر الناس. فالمؤلف يجب أن يستعمل كلمات الناس العادية، ليقول بها أشياء غير عادية.

ويُقدم نصيحته للكاتب بقوله:

إن الكاتب يجب أن يحترز, في دنيا الأدب، من بهرجة البلاغة، و الإطناب الذي لاجدوى منه، وكل تزيّد في التعبير، بوجه عام أو بعبارة موجزة، يتعيّن عليه أن يصبو إلى طهارة الأسلوب و نقائه، فكل كلمة يمكن الاستغناء عنها تكون ضارّة إذا مابقيت، وقانون البساطة و السذاجة ينسحب على الفنون الجميلة جميعاً، لأنه من الممكن أن يكون الفنان, في الوقتِ نفسه بسيطاً و سامقاً

يختم شوبنهاور في آخر مقالته:

” … و القلّة من الكتّاب هم الذين يكتبون كما يبني المهندس المعماري، فهو قبل أن يبدأ عمله، يحدّد على الورق ما سوف يبنيه، ويتدبّره تدبّراً عميقاً في أدق تفاصيله. ”