صراع الأمل و اليأس عند كازنتزاكي

لم يكتب (كازانتزاكي) إلا في السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته وملاحمه شاهدة على عبقريته، ناضل من أجل كل الحريات: حرية الشعوب، الإنسان، الروح. و أشهر ما كتب (زوربا اليوناني).

يحدثنا كازنتزاكي حول اليأس و عمق الألم في عمله حديقة الصخور فيقول:

استجمع قواك و أصغِ، ليس قلب الإنسان إلا صرخة واحدة، اتّكئ على صدرك لتسمعها، شخص مّا يصارع و يصرخ في داخلك.

إن واجبك في كل لحظة نهاراً و ليلاً، في الفرح أو الحزن، وسط جميع الضرورات اليومية، أن تسمع تلك الصرخة بشدة أو بتحفظ، وفقاً لطبيعتك بضحك أو ببكاء، في الفعل أو الفكر، مجاهداً لتجد من هو معرّض للخطر و يصرخ و يصرخ. و كيف يمكن أن نعبأ جميعاً لننقذه.

وسط سعادتنا الأعظم شخصٌ ما في داخلنا يصرخ: “أنا أتألم! أريد أن أهرب من سعادتك! أنا أختنق!

و يتساءل (كازنتزاكي) حول زيف الابتسامة فيقول:

هل الابتسامة مجرد قناع؟ مع ذلك يجعل هذا القناع الحياة الاجتماعية محتملة و تقريباً مقبولة و يمنح العلاقات البشرية كرامة و نبلاً. يُعلم الإنسان أن يسيطر على نفسه، أن يحتفظ بمشكلاته و آلامه لنفسه. و هكذا تدريجياً يصبح الوجه قناعاً، والذي لم يكن بالأصل سوى شكل يتحول إلى جوهر.

و في جانبٍ متقدم من روايته يخبرنا عن واجبات ثلاثة يقول فيها: 

إن الواجب الأول للإنسان هو أن يرى و يقبل حدود الذهن البشري دون تمرد لا طائل منه، و أن يعمل ضمن هذه القيود الحادة دون توقف أو احتجاج.

و يكمل:

ميّز بوضوح هذه الحقائق الإنسانية المرّة لكن الخصبة، التي هي جسدنا و أعترف بها ببطولة: أولاً، يستطيع ذهن الإنسان أن يدرك المظاهر فقط، لكنه لا يدرك أبداً جوهر الأشياء. ثانياً، لايدرك جميع المظاهر و إنما مظاهر المادة وحسب. ثالثاً، لايدرك حتى مظاهر المادة و إنما العلاقات فيما بينها و حسب. رابعاً، وهذه العلاقات بيست حقيقة و مستقلة عن الإنسان ذلك لأنها من خلقه. خامساً، و هي ليست الوحيدة الممكنة بشرياً، لكن ببساطة الأكثر ملاءمة لحاجاته العملية و المميزة.

و يقول:

الانضباط هو أعلى أشكال الفضيلة. هكذا فقط يمكن أن تتوازن القوة و الرغبة و تثمر مساعي الإنسان.

أما الواجب الثاني فيقول فيه:
العقل صبور و يعدّل نفسه، ويحب اللعب، لكن القلب يصبح متوحشاً و لا يتنازل ليلعب، إنه يختنق و يندفع ليمزق شباك الضرورة.

و في الواجب الثالث يقول:

اللحظة ناضجة: اترك العقل و القلب وراءك، تقدّم إلى الأمام، قم بالخطوة الثالثة.

حرّر نفسك من الرضا البسيط للعقل الذي يفكر بوضع جميع الأشياء في نظام آملاً أن يخضع الظواهر. حرر نفسك من رعب القلب الذي يبحث و يأمل أن يجد جوهر الأشياء.

اغزُ الأخيرَ، الإغراء الأعظم لكل شيء: الأمل. هذا هو الواجب الثالث!