عبدالكريم سروش، عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم

عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (سروش) عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم، مبتدئًا حديثه يتبيين الفكرة السائدة عن كلٍ من العالمين:

غالبًا ما ينظر الناس من الحداثة إلى ثمارها، وقلما يتبصرون في جذورها وأرضيتها. والسبب واضح: الناس عقولهم في عيونهم، كما يقول المثل. عامة الناس لا يجنحون إلى تحري الأصول إلا بصعوبة، وفي أطوار متأخرة أي إنسان تسألونه: ما هو العالم الحديث؟ سيقول لكم هو الطائرات، والكمبيوترات، والكهرباء، والسكك الحديدية، والأدوية الحديثة، والمستشفيات عالية التجهيز، والقنابل الكيمياوية، والبرلمانات، والأحزاب، والصحف، والجامعات، والبنوك، ودور السينما، ..إلخ. أي أنهم ينسبون إلى الحداثة، ما يشاهدونه اليوم مما لم يكن في السابق، هم لا يعدون الأشجار والسماء والأرض من العالم الحديث، بل هي من وجهة نظرهم تنتمي للعالم القديم. مرض السل أيضًا ينتمي للعالم القديم من منظارهم، رغم أن طريقة معالجته قد يعتبرونها من خصائص العالم الحديث. وكذا الحال بالنسبة لأساليب حل المسائل الرياضية.

 بنظرة أدق، يضع د. (سروش) على الإجابة الأصح برأيه حول السمة الأساسية للعصر:
فبنظرة أعمق نستطيع القول أن ما يميز العالم الحديث عن العالم القديم ويرسم بينهما حدودًا دقيقة هو وجود وعدم وجود العلم الحديث. العلم ولا سيما العلوم الطبيعية، حصيلة عصرية لم يمض على ولادتها أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون. مثل هذا المخلوق وبهذه السمات لم يكن قد ظهر إلى مسرح الحياة في العالم القديم. إذا عدنا عن التقنية وهي ثمرة العلم، إلى الوراء قليلًا، سنصل إلى العلم ذاته، وبوسعنا اعتباره مؤقتًا السمة الأبرز للعالم الحديث.
 ثم يتحدث عن كون أغلب الاكتشافات والنظريات العلمية كانت وليدة الصدفة:
أن تعزو هذه الفوارق إلى الصدفة جواب ناقص، يترك في الواقع العديد من الأمور بلا جواب. إذا اعتبرنا هذا العلم بكل عظمته وليد عدد من الحوادث المتفرقة التي لا تحكمها أي حسابات أو ضوابط، نكون قد ضاعفنا عدد الأسئلة على أنفسنا قبل أن نجيب عن أي سؤال. لذا سيكون سؤالنا اللاحق: إذا كان العلم الحديث أبرز نتائج وعلامات العصر الحديث، فما هو مرد ظهور هذا المخلوق، وهذه النتيجة؟ إذا كانت الإجابة على هذا السؤال عصية عليكم فلا تلوموا أنفسكم، لأنها ما انفكت عصية على جميع العلماء والفلاسفة. إنه سؤال جد رهيب ومشكل.
 يعود مرة أخرى للحديث عن العلم الحديث، فيبيّن أقسامه:
إن ما يوجد اليوم ولم يكن بالأمس، وقد حاز في الوقت الحاضر أهمية محورية ومركزية، بحيث تعزى إليه الكثير من وقائع العالم الحديث، إنما هو عنصر مهم يدعى العلم التجريبي. بوسعنا الاعتراف بهذا العنصر كسمة وخصيصة مميزة إلى جانب التقنية والصناعة الحديثة.
يمكننا إدراج منجزات العلوم التجريبية، سواء كانت اجتماعية أو طبيعية تحت عناوين أربعة، هي باختصار: الوسائل، الغايات، المفاهيم (التصورات)، القبليات (التصديقات أو المسلمات).
 أما القسم الآخر للعلم الحديث والذي لا يقل أهمية عن الأول فهو:
كنت أشدد إلى الآن على العلم الطبيعي، وهو علم واضح التعريف والخصائص. لكنني لم أتطرق إلى العلوم الاجتماعية. وأضيف هنا، أن العلوم التجريبية الطبيعية لم تكن وحدها التي غابت عن لائحة عناصر العالم القديم ومكوناته، بل والعلوم الاجتماعية أيضًا كانت غائبة هي الأخرى. لم يكن في الماضي علم اجتماع أو علم نفس، أو علم اقتصاد، أو علم إنسان، بالمعنى الحديث للكلمة، ولم يكن ثمة معارف قريبة من هذه العلوم العصرية بشكل أو بآخر.

  ثم يتساءل: هل يجعل العلم الحديث، من هذا العصر أفضل وأذكى من العصور السابقة؟

يستشف أن العالم الحديث وجد لنفسه عيونًا ونظارات لم تكن لدى السلف. ومع ذلك ينبغي علينا ألا نفاخرهم، فقد كانت لديهم عيونًا ونظارات، أهّلتهم لبعض الاكتشافات، فأبصروا أشياء لم يمر بها المعاصرون ولا يرونها. لذلك نلاحظ أن القادمين من قلب العالم القديم، حاملين معهم منه بضائع طازجة (أو هذا ما يدعونه على الأقل) تلاقي طروحاتهم إقبالًا وترحيبًا وتبجيلًا، لاسيما في أوساط العالم الدنيوي الغربي الغارق في المادة.

لماذا عجزت عقول الأقدمين عن اكتشاف بعض الأمور البديهية، كالجاذبية مثلًا، ألا يُعد الموضوع في منتهى البساطة؟

العديد من الأسئلة التي تتفاعل اليوم في الأذهان مردها إلى أن الإنسان يرى أسلوب حياته بديهيًا، لذلك يسأل: لماذا لم يفكر الماضون بهذه الطريقة؟ نحن عمومًا ميالون إلى اعتبار واقعنا الحياتي بديهيًا. وتشتد هذه الميول فينا إلى درجة تترك الأحوال والظروف الأخرى عجيبة جدًا في أنظارنا. لذا نستفهم دائمًا: لماذا كان الماضون سيئي الفهم إلى هذه الدرجة، فلم يتوصلوا إلى أمور بديهية، يدركها عقلنا المعاصر بكل يسر؟ والمقصود من الماضين هنا ليس عامة الناس فقط، بل حتى العلماء والنوابغ العظام، الذين لم يكتشفوا من بديهياتنا شيئًا.
 يجيب عن ذلك، فيقول:
إن لكل عصر بديهياته التي لا يطالها الشك، في ذلك العصر، ولا تخضع للنقاش والمساءلة، ولهذا تسمى بديهيات. بكلام آخر، لكل عصر عقلانيته المقبولة المسلّم لها، والتي لا يجادل أحد فيها خلال ذلك العصر. الإنسان في كل عصر يتفرج على عقلانية العصور الأخرى وبديهياتها من زاوية عقلانية وبديهيات عصره، فتستغرقه الحيرة إلى هامته. خذ للمثال قضية حقوق المرأة، ففي عصرنا ثمة بديهيات على صعيد حقوق الإنسان، رجلًا  كان أو امرأة، يذهل المعاصرون حقًا لعدم تنبه السلف إليها. على أن هذا ليس بالمنهج السليم في تحليل التاريخ. إذا أردنا دراسة التاريخ برمته من منظار زماننا سوف ننأى عن الصواب كثيرًا، ولن نوفّق لاستيعاب ذهنية الأسلاف إطلاقًا. بغية أن نفهم الأحداث الماضية بنحو أصح، علينا استخدام نظارات السلف، وفي ما عدا ذلك سنكيل التهم والوصمات لهم بأنهم كانوا يعيشون فترة طفولة خلافًا لإنسان العصر الحاضر الذي بلغ رشده ونضجه، وغدت كل آرائه صادقة سليمة بالبداهة.
 ثم يتحدث عن أحد سلبيات العلم التجريبي أو العالم الحديث، بأنه ينظر إلى كل شيء وكأنه مادة للاستهلاك، بعد أن كانت عقليات الأقدمين ترى بأنها مشاركة على هذه الأرض، وليست مسيطرة كما ترى العقلية المعاصرة:
على صعيد آخر، نلاحظ أن من خصائص النظرة العصرية للعالم، أنها تعتبر كل شيء خزانًا للطاقة وظهرًا يمكن أن يُركب، بل يجب أن يركب ويستفاد منه. العلم والثقافة الحديثة لا ينظران للعالم كنهر يجري، ويجب أن نجلس على جرفه، ونكتفي بالتفرج عليه، واستلهام العبر منه. لقد كوّن الإنسان المعاصر تصورات جديدة عن العالم تملي عليه لعب دور فيه. يؤكد الإنسان الحديث أنه يريد النزول إلى ساحة العمل، والتدخل في صياغة الحياة وتشكيلها. لا بأس أن نتذكر هنا عبارة (ماركس) الشهيرة: “أن الفلاسفة قاموا لحد الآن بتفسير العالم، وقد آن الأوان لتغيير العالم”.