عبدالله السعدون واللياقة الفكرية

عبدالله السعدون

اللواء و الطيّار عبدالله السعدون في سيرته الذاتية (عشت سعيدًا)،  كتب رحلته التي تجتاز حقبة زمنية شهدت فيها المملكة العربية السعودية تغيرات كبيرة، و في نفس الوقت هي رسالة تطرح أمراض المجتمع و معوّقات التقدم، و تشرح أسباب السعادة و الصحة في عالم مليء بالجهل و الأوهام و الأمراض.

من السهولة أن يختبر الإنسان لياقته البدنيّة بأكثر من طريقة.

لكن ماذا عن اللياقة الذهنيّة؟

ماذا عن هذا المتصرّف بكل شؤون الحياة؟ هذا القابع في الرأس.

تركناه فركن إلى الدّعة، برمجناه فأسأنا البرمجة، أعطيناه الأجوبة و أعفيناه من طرح الأسئلة.

عندما يفكر الآخرون نيابةً عنّا و يقرأون نيابةً عنّا يرتاح العقل لهذه الطريقة و ينام قرير العين، و لا يُلام إذا أمعن في سباته. كما عزف الناس عن صعود الجبال و اكتفوا بالسفح، عزفوا عن إعمال الفكر و زيادة لياقته و تحسين عمله. لضعف اللياقة البدنية دلائل صحيّة و بدنية واضحة، لكن

ليس للإعاقة الفكرية دلائل ظاهرة، لكنها واضحة في:

” شحّ نتاج كل أمّة، في انكفائها على نفسها و اقتناعها بما لديها، تجترّ ما أنتج الأولون و تستخدم ما صنع الآخرون “

و في مناسبةٍ أخرى قال:

” … لنلحق بالركب علينا أن نملك أدواته، عقول متفتحة، ونهم للمعرفة، وبناء للعقول و العواطف و الأجسام “

و حين اجتمع السعدون مع المدرسين ( مدنيين و ضباطاً ) حدّثهم عن أهمية تزويد الطلبة بأساليب التفكير المرن و أدب الحوال قال لهم:

التفكير المرن من أهم شروط التفكير العلمي الذي كان من أهم أسباب الإنجازات البشرية ، و المكتشفات الكثيرة. علينا أن نعلمه للطلبة لأنه سلوك مكتسب، كان من الواجب أن يتعلموه في مراحل تعليمية سابقة.

و يعني التفكير المرِن : ” ما يزخر به العلم من حقائق و قواعد ليست مطلقة، و أن البحث مستمر عن كل جديد ”

المرونة تعني: ” نبذ الغلو و التطرف و معرفة خطرهما على الأمة، بل على العالم أجمع، علينا أن نقبل الآخر و نتعايش معه، و أن ننبذ العنف و التسلط و التهديد ”

و الفكر المرن يعني: ” الاجتهاد الذي هو واحد من مصادر التشريع و هو ضروة لكل عصر، فالحياة بنيت على الحركة و التغيير المستمر و ليس الجمود، والاجتهاد واحدٌ من أسرار بقاء الدين صالحاً لكل زمان “

أعظم هدية تُقدم لطالب اليوم برأي السعدون هي:

تعليمه مرونة التفكير التي تساعده على استنباط الحلول و تحميه من بعض الأفكار و بعض الممارسات الخاطئة في الحياة.

و عن الحوار قال لهم:

الحوار يفتح بيننا و بين الآخرين نوافذاً و أبواباً، الحوار يقول لنا: إن الطريق يتّسع لأكثر من مركبة، يعني أننا نزرع مصدّات من الحب و التعاون، ضد عواصف الكره و الغلوّ، أن نحاور لايعني تغيير ما نؤمن به، لكن يعني سماع وجهة نظر الآخرين، الحوار يعني أن المجتمع يتمتّع بالصحة الفكرية و لديه مناعة ضد كثير من الأمراض، أسوأ أعداء الحوار الإكراه الفكريّ و نعت المخالف بأنه صاحب نيات سيئة،

الرأي المخالف كجداول تصريف المياه و القنوات التي تمنع السدود من الانهيار”

لولا اختلاف الآراء لأصبح الناس نسخاً مكررة يتزاحمون على نفس الطريق و نفس الهدف و الاتجاه، لولا اختلاف الآراء لأصبح الناس صوراً مكررة و لتوقفت العقول عن الإنتاج.

لله حكمة لا نحيط بها من هذا الاختلاف في الدين و اللغة و الشكل و الطبائع و الأذواق.

سيبقى الاختلاف إلى أن يرث الله الأرض و من عليها، يقول تعالى:

” و لو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة و لا يزالون مختلفين “

 



الوسوم: