عبدالوهاب المسيري يتكلم عن الجنس والمجتمع الأمريكي

عبدالوهاب المسيريعبدالوهاب المسيري (1938-2008) هو مفكر وعالم اجتماع مصري، تدور أغلب أعماله عن اليهود والصهيونية، وعن العالم المعاصر الحديث ونقده وتفكيكه. في كتابه (رحلتي الفكرية) والذي يُعد بمثابة سيرة ذاتية “غير ذاتية وغير موضوعية” للمؤلف كما يصفها، جعل أحد الأقسام ليتحدث فيه عن أفكاره حول العالم الغربي، وتطرق بعد ذلك إلى الحالة الجنسية في العالم الحديث فيقول بداية عن تصوراته القديمة للحالة الجنسية:

كانت إحدى الصور النمطية الشائعة في عقولنا والنموذج التفسيري الكامن فيه أن الجنس طاقة (مادية) إن فُرِّغت بطريقة “عادية” “طبيعية” “سوية” فإن الفرد يصبح عاديًا وطبيعيًا وسويًا، أما إن كُبتت فإنها تصبح قوة مدمرة. وهي معادلة بسيطة ومعقولة لأول وهلة على الأقل، ولذا كان من المفهوم أن ينشغل الشرقيون بالجنس، فهم مكبوتون قُمعت رغباتهم الجنسية في طفولتهم ومراهقتهم، ولذا طاقتهم الجنسية كلها مخزونة، وهو ما أدّى إلى تشوههم النفسي الكامل، وتحولوا إلى مراهقين أزليين. هذا ما تعلمناه ؛ كما تعلمنا أيضًا أن الأمور مختلفة تمامًا في الغرب، فهم يتصرفون بشكل طبيعي إذ أنهم يسربون الطاقة الجنسية بلا قمع ولا كبت.

ولكن حينما وصلت إلى الولايات الأمريكية وجدت أن الأمر ليس بهذه البساطة، وأن المعادلة البسيطة التي آمنت بها لا تفسِّر الأمور، إذ لاحظت إقبال الأمريكيين النهم وانشغالهم المتطرف (وأحيانًا المرضي) بالجنس، بينما مجال الإشباع الجنسي متاح أمامهم بشكل ديموقراطي مذهل.

يحاول بعد ذلك تحليل هذه الحالة الغربية فيقول:

لعله يعود إلى (رؤيتهم) المادية للجنس، كما لو كان الجنس شيئًا طبيعيًا ماديًا ؛ مسألة غدد وعضلات وحسب، مسألة محايدة تمامًا لا تختلف عن أي عملية بيولوجية أخرى (مثل تناول الطعام) ؟ وكثيرًا ما سمعتهم يقولون إن الجنس مثل الطعام تمامًا. ولعل محاولة تطبيع الجنس تفسر رغبتهم العارمة في ممارسة الجنس في العلن، بلا إحساس بالحرج أو الخصوصية أو الفردية، خاصة بعد انكماش رقعة الحياة الخاصة. ومحاولة تطبيع الجنس تظهر في أن المجتمع الأمريكي يُظهر عدم الاكتراث بعلاقة الجنس بالمجتمع، أو كما يقولون : لا يهم سلوك الإنسان في السرير، المهم هو سلوكه أمام شباك التذاكر !

وعدم الاكتراث هذا هو نتيجة لتبسيط الإنسان واختزال دوافعه. ولهذا لم يدرك كثير من الأمريكيين أن الجنس مسألة إنسانية مركبة خاصة وفردية وأنها مرتبطة برؤية الإنسان للكون وهويته الفردية. وعدم إدراكهم لهذه البسيطة العميقة، هو أحد أسباب عدم الارتواء الجنسي، فهم يمارسون الجنس في إطار مادي، يترك كيانهم الإنساني بلا إشباع.

يتطرق بعد ذلك إلى أثر ذلك على حالة المجتمع والأسرة داخل المجتمع، فيقول:

هذا إلى جانب أن الباحث عن اللذة هو إنسان فرد مكتف بذاته (موضع الحلول)، لا يطيق أي حدود أو قيود، أو مسؤولية، ولهذا فهو غير قادر على إرجاء تحقيق رغباته، فهو يود أن يحققها في التو (الآن وهنا)، وخاصة أن هذا الفرد يعيش في مجتمع نفعي مادي، لا يعرف المثاليات التي تساعده على تجاوز ذاته الضيقة. وفي تصوري أنه لا يمكن إرجاء إشباع الرغبات إلا من خلال الإيمان بمَثل أعلى يتجاوز حدود الفرد وحيزه.

ومثل هذا الفرد المكتفي بذاته لا يمكنه أن يقبل مؤسسة الأسرة، فهي مؤسسة تُلقي على كاهله (كأب وكأم) مسؤوليات اجتماعية شتى، وتفرض حدودًا وقيودًا، عليه أن يقبلها، وهو من الصعب عليه أن يفعل، فهو يعيش لنفسه ولمتعته وفائدته ولذته، ولذا تَضْمُر مؤسسة الأسرة تمامًا. ولعله لهذا يزداد العزوف عن النسل أو الزواج، مع ازدياد الإحساس بأن الأسرة عبء لا يُطاق وأن مسؤولية تنشئة الأطفال تفوق طاقة البشر.

لكن تحطم الأسرة بدوره يزيد من السعار الجنسي، إذ إن الأسرة هي المؤسسة الوحيدة التي يمكن داخلها تنظيم الرغبات الجنسية دون أن تتم عملية قمع كاملة لها. أم المؤسسات التي حلت محل الأسرة، فهي قادرة على القمع الكامل وحسب، وحيث إن هذا مستحيل، فإنه يحل محله الترخيصية الكاملة.

وأعتقد أن الشذوذ هو النتيجة المنطقية والترجمة الوحيدة الأمينة لمبدأ اللذة النفعي، فالإنسان الشاذ يمكنه أن ينشئ علاقة مع شخص آخر من جنسه فيتغلب على اغترابه بشكل مؤقت ثم يعود مرة أخرى لحياته الاستهلاكية البسيطة. وهو يتغلب على اغترابه دون أن يدخل في علاقات ذات آثار اجتماعية تضطره للدخول في علاقة حقيقية مع الآخرين ومع الواقع، إن العلاقة مع شخص من نفس الجنس هي أقل العلاقات الإنسانية جدلية.

يقول في موضع آخر عن علاقة الجسد بالجنس:

لقد انفلتت الرغبات الجنسية من عُقالها، وبدلًا من أن تحرر الإنسان، حيدته ثم استعبدته. فانتشرت الإباحية وتم تطبيعها بشكل لم يعرفه المجتمع الأمريكي من قبل. بل يُخيّل إليّ أحيانًا أننا يجب أن ننظر إلى الإباحية الأمريكية لا في علاقتها بالجنس، وإنما علاقتها بالتشريح، فبعض الأعمال الإباحية الحديثة تنظر للجسد لا باعتباره شيئًا يثير الشهوة وإنما باعتباره شيئًا يُنظر إليه بشكل معملي، شبه محايد. فكأن الهدف من الإباحية هنا ليس إرضاء الشهوات وإنما اختزال الإنسان إلى جسد، ثم تشريح أو تفكيك هذا الإنسان وتحويله إلى مادة استعمالية، ومن هنا محورية فعل (يُعري). فالتعرية هنا تبدأ بالجسد وتنتهي بتعرية الإنسان من تركيبه وإنسانيته. لكل هذا يُنظر للجنس بطريقة محايدة للغاية وكأنه نشاط بيولوجي منفصل عن القيمة.

وعن أثر ذلك على الحالة الفنية والأعمال الأدبية:

ويرتبط بقضية الجنس والاهتمام المحموم به، عدة قضايا. فقد ظهرت أعمال أدبية تتعامل مع الجنس بشكل مكشوف ومباشر، وتحاول أن تتحدث عما يسمّى (لغة الجسد). ولا أعرف أي لغة هذه، فاللغة بطبيعتها مجردة، ولكنها مرة أخرى محاولة أن يُحصر الإنسان في نطاق حواسه الخمس، وإنكار مقدرته على أن يُجاوز ذاته الطبيعية المادية، فهي دعوة رجعية لا إنسانية. إن الأعمال الأدبية التي تتحدث بلغة الجسد (والحواس الخمس) أعمال ترفض التعامل مع رحابة وتركيبية الظاهرة الإنسانية.

تلخيصًا لعلاقة الجسد والجنس، يقول:

إن الجسد هو الصورة المجازية الأساسية في عصر التحديث، أما الجنس فهو صورته في عصر ما بعد الحداثة. ولمزيد من الإيضاح بينت أن ما يحدث الآن في الفلسفة الغربية الحديثة هو إعطاء الجنس (واللذة والشهوة والرغبة) أسبقية معرفية على كل شيء، بل إن الجنس بدأ يحل محل اللغة، فعلى الرغم من أن اللغة في رأي أنصار ما بعد الحداثة هي نظام مستقل عن الواقع (فهي نظام لا يشكله الإنسان الفرد الواعي)، فإنها يوجد فيها بعض ظلال الإله – أي المعنى والرغبة في التفسير والذات والموضوع. أما الجنس، فقد تخلص من هذا تمامًا. فالجنس رغبة فردية محضة ولكنها لا فردية فيها، فالجميع يشعر بها ويمارسها. والرغبة لا يمكن أن يُحكم عليها من خارجها، ولذا فهي تتحدى التفسير، ومن يتمسك بها تمامًا لا يسقط في الميتافيزيقا بسبب اكتفائها بذاتها. وبهذا يمكن القول بأن الرغبة الجنسية أقرب من الجسد إلى المادة الأصلية الأولى التي تتحدث عنها الفلسفة المادية والتي ليس لها أصل رباني، إنها تشكل المرجعية المادية الكامنة الحقة التي لا تعرف أي تجاوز.

يختتم كلامه في نهاية المقالة فيقول:

وهذا هو الاتجاه المتزايد نحو الانشغال بالجسد والجنس ليس حكرًا على المجتمع الأمريكي، بل هو ظاهرة عالمية، آخذة في الاتساع مرتبطة بتساقط الأيدلوجيا وانتشار فكر ما بعد الحداثة. ومهما كان الأمر فإن قضية الجنس كانت من القضايا المهمة التي اكتشفت من خلالها بساطة الرؤية المادية الاختزالية وأنها تؤدي لا إلى تحرير الإنسان وإنما إلى تفكيكه.