عن الحقوق والواجبات، د. سروش يتحدث

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (عبدالكريم سروش) في البداية عن كون الإنسان المعاصر لم يعد قنوعًا بما يُقدّم إليه، وبأنه أصبح إنسانًا معارضًا لكل شيء:
الإنسان الحديث ليس بالإنسان القنوع، بل هو مخلوق معارض لا يوافق أي شيء كما هو.
 ثم يضيف في ذات الموضوع قائلًا:
لم يبق العالم الحديث من معنى للقناعة، لهذا بات من العسير جدًا أن نعالج هذه الكلمة مع أنفسنا، ونفكر في المعنى الحقيقي لهذه المفردة التي سمعناها وفيما يتوخاه منها من يستعملونها ولهجون بها. الحق أن مسألة القناعة في العالم الحديث مسألة معضلة بينما كانت بالنسبة للسلف مبدأ يتبع، بل ومن الأركان الأخلاقية كما أسلفت.
 ثم يتحدث عن سبب تبدّل القناعة عند الإنسان بين الإنسان المعاصر، والإنسان القديم، فيقول:
حينما نقارن بين الإنسان الحديث والإنسان القديم، ونستعرض كتابات الأسلاف، نعاين أن توقعات الإنسان القديم وتقييماته لنفسه وللمجتمع، تدور جميعها حول محور التكليف، بينما تدور مطالبات الإنسان الحديث حول مدار الحقوق.
 يوضح ذلك أكثر، عن فكرة الحقوق والواجبات عند السلف، فيقول:
الواجبات والتكاليف كانت مرجحة على الحقوق في وعي السلف، فكان الناس ذوي (وعي تكليفي) في الغالب. في العالم القديم كان رجال التربية في المجتمع، سواء الأنبياء أو غيرهم، يثقفون الناس بواجباتهم قبل كل شيء. ولا يعني هذا الكلام أنه لم تكن ثمة حقوق في السابق، إنما كانت تنتزع حقوق البشر من صميم واجباتهم. الإنسان القديم كان يرى نفسه في الأصل وقبل كل شيء حيوانًا مكلفًا، فيتوخى قبل كل شيء تعيين تكاليفه وواجباته، وبعد ذلك تنبثق إلى جانب تلك التكاليف ومن صميمها مجموعة من الحقوق. الواجب كان إطارًا مرجعيًا سائدًا في العالم القديم، استغرق حياة أجدادنا وأسلافنا.
 وكل ذلك تبدّل في العصر الحديث:
وحينما يجري الحديث عن الواجبات سيتم تصنيف الناس بطبيعة الحال إلى سادة وعبيد، آمرين ومطيعين. أما اليوم فحقوق الإنسان من بديهيات العصر. لقد دخلنا في العصر الحديث إطارًا مرجعيًا جديدًا، يعتبر فيه الإنسان نفسه حيوانًا محقًا، لا حيوانًا مكلفًا، فيبحث في الدرجة الأولى عن حقوقه، ليستخرج منها في مرحلة لاحقة واجباته.
ثم يقول بأنه يعتقد بأن الإنسان يجب أن يوازن بين المطالبة بحقوقه وأداء واجباته، بالإنسان يجب أن يكون محقًا مكلفًا:
لقد تحدثت كثيرًا عن الحقوق والواجبات داخل إيران وفي البلدان الأخرى، مع المسلمين وغير المسلمين، وكنت أركز على الحقوق أو الواجبات بما يتناسب مع المستمعين. في الداخل أواجه أفرادًا وشبابًا حتى لو لم يعرفوا هم بأنفسهم، فإنني أعرف جيدًا أنهم طبقًا لتعريفهم لأنفسهم، بعتبرون الإنسان حيوانًا مكلفًا. في مثل هذا المناخ أحاول منحهم حق الوعي والصحوة، وعليكم المطالبة بحقوقكم. لا تسألوا عن واجباتكم فحسب،اسألوا ولو لمرة واحدة عن حقوقكم، ودافعوا عن مطالبكم. لكنني حين أواجه مستمعين أجانب تتغير المسألة إلى الضد، إذ غالبًا ما تترك المسؤولية في الغرب لأتربة النسيان، ويتحول الإنسان إلى مخلوق دائن محق بالمطلق، يجب أن يأخذ ويسلب، ويحوز كل شيء لنفسه. هنا تتحتم الدعوة إلى شعور الضمير بالمسؤولية والتذكير بالواجبات.
هل صحيح بأن الدولة الغربية هي التي اختلقت للإنسان حقوقه؟ يجيب د. (سروش):
وزارة الخارجية الأمريكية والبلدان الأوروبية ليست هي التي صنعت حقوق الإنسان، فقد كانت هذه الحقوق صنيعة تنظرات الفلاسفة، ومعناها أن للإنسان حقوقًا لمجرد كونه إنسانًا. هذه الحقوق طبيعية لم يمنحها أحد إياه، حتى يجوز له بعد ذلك أن يسلبه إياها. الفجائع التي وقعت في العصر الحديث كانت حصيلة انحراف روحي مني به الإنسان. حينما تتسمّر نظرة الإنسان على نقطة صغيرة سيرى تلك النقطة كبيرة لا متناهية، إلى حد ينسى معها سائر الأشياء. حينما تتركز ذهنية الإنسان على الحقوق سيجدها عظيمة هائلة بحيث تذهله عن الوعي التكليفي والشعور بالمسؤلية. خير دليل على هذا أننا نملك راهنًا (ميثاقًا عالميًا لحقوق الإنسان) ولا نمتلك (ميثاقًا عالميًا لواجبات الإنسان).