عن الفن والأدب، من مذكرات سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية. في مذكراتها بين عامي 1964-1980، والتي نُشرت باسم (كما يسخر الوعي للجسد)، تحدثت عن الفن والأدب. فتقول في تعريفها للفن، ولأهميته:

الفن هو نتاج أحداث عقلية في / كشكل حسي متماسك. [١٩٧٩]

الفن هو الشرط النهائي لكل شيء. [١٩٦٨]

الفن هو شكل من أشكال التربية، للوعي وللروح. [١٩٦٤]

ثم تقول عن الكتابة:

الكتابة هي باب ضيق. بعض الخيالات، مثل قطع كبيرة من الأثاث، لن تنفذ منه. [١٩٦٤]

ثم تتطرق إلى صفات الفن العظيم، فتقول بأنه مبنيٌّ على حالة خالصة من التأمل:

كل الفن العظيم يضم في المركز منه تأمل، تأمل ديناميكي. [١٩٦٤]

وتتابع عن وظيفة الكتابة، قائلة:

وظيفة الكتابة هي نَسف موضوع المرء، وتحويله إلى شيء آخر. الكتابة هي سلاسل من تحوّلات.

الكتابة تعني تحويل عوائق وتحديات المرء إلى فوائد. على سبيل المثال، أنا لا أحب ما أكتب. لا بأس، إذن تلك هي أيضًا طريقة للكتابة، طريقة يمكن بها الوصول إلى نتائج مشوقة. [١٩٧٦]

وتتابع عن أهمية الكلمات:

للكلمات رسوخها الخاص. الكلمة على الصفحة قد لا تكتشف (ربما تخفي) ضعف العقل. كل الأفكار تجد نفسها في مستوى أعلى – تصبح أكثر وضوحًا، تحديدًا، نفوذًا، حالما تطبع على الورقة- هذا يعني، أنها تنفصل عن الشخص الذي فكّر فيها.

خداع محتمل -على الأقل محتمل- في كل الكتابات. [١٩٦٤]

كما تقول في موضع آخر:

اللغة العادية هي تراكم من أكاذيب. لغة الأدب، لذلك، يجب أن تكون لغة خَرْق، قطيعة مع أنظمة فردية، تحطم قهر نفسي. الوظيفة الوحيدة للأدب تكمن في تعرية الذات في التاريخ. [١٩٨٠]

وتقول أيضًا بأن الكتابة تساعد في طرد الأفكار السلبية:

التعبير عن شعور، انطباع ،يعني تصغيره، طرده.

لكن المشاعر أحيانًا قوية جدًا: هيام، وسواس. مثل حب رومانسي. أو أسى. عندئذ يحتاج المرء إلى الكلام، وإلا سيتفرقع. [١٩٦٤]

 وتتابع:

افترض أن لدي مشاعر كئيبة أريد مقاومتها. مشاعر تسبب في شيء أنا أفعله أو أقوله بتكرار وأتمنى لو لم أفعل.

لو أنّي أقمع السلوك فحسب، إن كان ذلك ممكنًا، لأعدت شحن المشاعر التي تقف وراءه.

وصفة لقتل المشاعر: “عبّر عنها بشكل مبالغ فيه”.

الكدر الذي يشعر به المرء عندئذ، يكون جديرًا بالتذكر، وعلاجيًا أيضًا. [١٩٦٤]

ثم تنتقل بعد ذلك إلى نصائح في الكتابة:

من يريد الكتابة عليه أن يرتدي غمامتين. أنا أضعت غمامتي.

لا تخش أن تكون موجزًا. [١٩٧٩]

وتقول:

أن تكون فنانًا يعني أن تفشل، كما لم يجرؤ أحد آخر على الفشل من قبل .. الفشل هو عالمه. [١٩٦٦]

وتقتبس عن (فيكتور هوغو) مقولته:

حكمة (فيكتور هوغو): “موجزية في الأسلوب، دقة في الفكر، عزم في الحياة”. [١٩٦٨]

وتكمل نصائحها للكتابة الأدبية العظيمة، فتقول:

كي تكون كاتبًا عظيمًا:

اعرف كل شيء حول الصفات والتنقيط.

تملّك ذكاء أخلاقيًا – الذي يخلق سلطة حقيقية في الكاتب. [١٩٧٤]

ثمة موضوعان لرواية نبيلة: القداسة، ومشكلة الحضارة. [١٩٧٥]

وأخيرًا، تكمل نصيحة أخيرة، تبدو متناسقة مع رؤيتها للكتابة بأنها وسيلة علاجية:

القصة الوحيدة التي تبدو جديرة بالكتابة هي بكاء، صياح، صراخ. يجب أن تستحق القصة قلب القارئ. يجب على القصة أن تضرب الوتر الحساس فيّ. قلبي ينبغي أن يبدأ بالخفقان عندما أسمع أول سطر في رأسي. من الإثارة أبدأ بالارتعاش. [١٩٧٣]

أما عن الشهرة فتقول:

كي تكون شهيرًا من أجل أن تصل إلى الناس، لا تكن وحيدًا. [١٩٦٦]

وتقتبس عن (برودسكي) مقولة يقول فيها:

(جوزيف برودسكي): “إن كُنت ترغب في أن يُستشهد بك، لا تستشهد بأحد”. [١٩٧٧]

ننتقل بعد ذلك إلى تساؤلها عما إذا كان من الممكن أن يكون الجميع فنانين:

مقولة أنه في وضع مثالي سيكون “كل” شخص فنانًا، كليشيه يوتوبية خرقاء، هي ليست أكثر من أن الجميع يمكن أن يكونوا علماء.

ماذا سيفعل العالم مع كل تلك الأشياء؟

جعل الفن عامًا سيكون كارثة أيكولوجية. فكرة إنتاجية لا متناهية.

لا أفضل من فكرة اختراعية لا متناهية، تكنولوجية، أو اكتساب معرفة لا متناهية. مفهوم الحدود.

الخوف من الاشتراك بأنشطة “نخبوية” هو ما يجعل الناس يقولون: إن من المثالي أن يكون كل شخص فنانًا. لكن بعض الأنشطة هي ممكنة إذا ما قام بها بعض الأشخاص.

الحالة الوحيدة التي يمكن أن يصبح فيها الجميع فنانين إذا كان الفن مفهومًا بشكل حصري بوصفه “أداء”، أو فن النفاية. هو إذن فن ينتجه الناس، وإذا أفضى إلى شيء لن يكون عليك، أو تكون قادرًا على، الاحتفاظ به، وضعه في متحف. لذلك يمكن كَيْج الحق في القول أنه فيما خصه يجب أن يصبح الجميع فنانين. فكرته عن الفن توفر نتاجات ملموسة قليلة. لا شيء للاحتفاظ به، لجعله مَعْلمًا. إنه يدمر ذاته. [١٩٧٢]

ثم تنتقل للحديث عن الرقابة، ودورها في الفن والأدب:

حين لا يكون ثمة رقابة، لا يكون للكاتب أهمية.

لهذا ليس من السهل أن تكون ضد الرقابة. [١٩٧٧]

أنا ضد الرقابة. بكل أشكالها. لا فقط من أجل أن تكون الأعمال الكبيرة -الفن الراقي- فاضحة. [١٩٦٥]

أما عن النقد الأدبي أو الفني فتقول:

قراءة النقد تعوق القنوات التي يحصل المرء عبرها على أفكار جديدة: كوليسترول ثقافي.

جهلنا هو كنز، يجب أن لا يُستهلك“. (فاليري) [١٩٦٤]

وأخيرًا، اعتادت (سونتاغ) على الكتابة بشكل سري، في مذكراتها الشخصية، وبشكل مستمر، وذلك بهدف استنطاق كلمات صادقات أكثر، لا تولي الكثير لرأي الآخرين. تقول عن ذلك:

ينبغي أن تكون الكتابة شيئًا سريًا، رذيلة الكلمات أن تصبح فضالة أو مكثفة أكثر. [١٩٦٦]

ربما لهذا السبب أنا أكتب في يوميات. ذلك يبدو مناسبًا. أعرف أنني وحيدة. أنا القارئ الوحيد لما أكتب هنا -لكن المعرفة لا تؤلك بالعكس أشعر بأنني أقوى بها، أقوى كل مرة أكتب فيها شيئًا. لا أستطيع التحدث إلى نفسي، لكنني أستطيع الكتابة. [١٩٦٨]

ثم تقول:

فقدت الشجاعة فيما يتعلق بالكتابة. وما يتعلق بحياتي لكن لا بأس. يجب أن أكتب من دونها.

إن كنت أعجز عن الكتابة لأنني خائفة من أن أكون كاتبة سيئة، إذن ينبغي أن أكون كاتبة سيئة. على الأقل أنا أكتب.

عندئذ شيء آخر سيحدث. هو دائمًا يحدث.

يجب أن أكتب كل يوم. أي شيء. كل شيء. أحمل دفتر ملاحظات معي طوال الوقت، إلخ.

أقرأ كتاباتي النقدية السيئة. أريد التوغل في عمقه، فقد الشجاعة هذا. [١٩٧٩]