غاية الأدب برأي ميخائيل نعيمة

ميخائيل نعيمة

ميخائيل نعيمة (1889 – 1988)، مفكر وأديب عربي، وهو أحد رواد ذلك الجيل الذي قاد النهضة الفكرية والثقافية، له مجموعة مقالات ودراسات في النقد الأدبي جمعت في كتاب (الغربال) أعاد فيه النظر لوظيفة الأدب وقيمته والغاية منه التي تكمن في قدرته على إختراق وكشف باطنية الإنسان وكينونته الحقيقية، وفيه يتحامل على الادب العربي وتأخره عن الادب الغربي في تناول القضايا الإنسانية والفلسفة والفن .. فيقول:

نحن ممّن يقدرون ارتقاء الأمم بارتقاء آدابها أو ما يدعوه الغربيون “Literature” ولذا كان الكاتب المجيد سواء كان روائيا أو صحافيا أو شاعرا، الكاتب الذي يرى بعيني قلبه ما لا يراه كل البشر، الكاتب الذي يعدّ لنا من كلّ مشهد من مشاهد الحياة درساً مفيداً، الذي أعطته الطبيعة موهبة إدراك الحق قبل سواه، هذا الكاتب الذي هو جل ما نبحث عنه بين طيّات السنين الخوالي فلا نرى له أثراً ونحملق بأبصارنا في حياتنا الحاضرة علّنا نراه فلا نراه.

ويتساءل هنا عن مقاييس الأدب ساخراً:

بماذا نقيس هذه القصيدة أم تلك المقالة أو القصة أو الرواية؟ أمن حيث طولها، أم قصرها، أم تنسيقها. أم معناها، أم موضوعها أم نفعها؟ أم نقيسها بإقبال الناس عليها وبعدد طبعاتها؟ أم يستحيل قياسها بمقياس واحد ثابت لأن تقديرها موقوف بذوق القارئ، والأذواق تختلف باختلاف الناس […] إذا كان في الأدب من آثار خالدة ففي خلودها برهان على أن الأدب ما يتعدى الزمان والمكان، وجليّ أن المقاييس التي نقيس بها مثل هذه الآثار لا تتقيد بعصر ولاتتعلق بمصر، فإذا كنّا لا نزال نعجب ونطرب بما كان يعجب ويطرب به العبراني واليوناني والإيطالي والعربي والإنجليزي منذ مئات وألوف من السنين أفليس ذاك لأننا نقيس هذه الآثار الأدبية بنفس المقاييس التي كان يقيسها بها أولئك؟

ثم يجيب قائلًا:

إذاً، ففي الأدب مقاييس ثابتة تتجاوز الزمان والمكان، ولا تعبث بها أمواج الحياة المتقلبة، وأذواق العالم المتضاربة، وأزياء البشرية المتبدلة […] إن قيمة الأمور الروحية تقاس بالنسبة إلى حاجاتنا الروحية، ولكل منّا حاجاته، بل لكل أمة حاجاتها، ولكل عصر حاجاته. غير أن من هذه الحاجات ماهو مقيد بالفرد أو بالأمة وأحوالها الزمانية والمكانيّة، وهذه تتقلب وتتغير. ومنها ماهو مشترك بين كل الأفراد والأمم في كل العصور والأمكنة. وهذه الحاجات هي المقاييس الثابته التي يجب أن تقاس بها قيمة الأدب. فإن حددناها حددنا مقاييسنا الأدبية وتمكنا من أن نعطي كلّ أثر أدبي حقة.

أما هذه الحاجات المشتركة فقد لا يسعني ولا يسع سواي الإحاطة بها, غير أني سأحاول أن أذكر منها ماهو في إعتقادي أهمها:

أولاً: حاجتنا إلى الإفصاح عن كل ماينتابنا من العوامل النفسية، من رجاء ويأس، وفوز وإخفاق، وإيمان وشك، وحب وكره، ولذة وألم، وحزن وفرح، وخوف وطمأنينة، وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها من الإنفعالات والتأثرات.

ثانياً: حاجتنا إلى نور نهتدي به في الحياة، وليس من نور نهتدي به غير نور الحقيقة – حقيقة مافي أنفسنا، وحقيقة مافي العالم من حولنا.

ثالثاً: حاجتنا إلى الجميل في كل شيء، ففي الروح عطش لا ينطفئ إلى الجمال وكل مافيه من مظاهر الجمال، وإن تضاربت أذواقنا في مانحسبه جميلاً، ومانحسبه قبيحاً، لا يمكننا التعامي عن أن في الحياة جمالاً مطلقاً لايختلف فيه ذوقان.

رابعاً: حاجتنا إلى الموسيقى، ففي الروح ميل عجيب إلى الأصوات والألحان لاندري كنهه، فهي تهتز لقصف الرعد ولخرير الماء ولحفيف الأوراق، ولكنها تنكمش من الأصوات المتنافرة وتأنس بما تآلف منها.

ويرى ان المحتوى العربي متكلف في اللغة على حساب الأدب فيقول:

في الأدب العربي اليوم فكرتان تتصارعان: فكرة تحصر غاية الأدب في اللغة، وفكرة تحصر غاية اللغة في الأدب، وجليِّ أن نقطة الخلاف هي الأدب نفسة أو القصد منه، فذوو الفكرة الأولى لا يرون للأدب من قصد إلا أن يكون معرضاً لغويّاً يعرضون فيه على القارئ ما وعوه من صرف اللغة ونحوها […] وخطيبهم إذا اعتلى المنبر تدفّق من فيه صحيح الكلام وأنيقه فملأ أذنيك، وأشبع عينيك، وترك قلبك مقفلاً وعقلك حائراً سائلاً “ماذا تراه قال؟”

  أما أنصار الفكرة الثانية فهم ينظرون قبل كل شيء إلى ماقيل ومن ثم إلى كيف قيل، لأنهم يرون الأدب معرض أفكار وعواطف، معرض نفوس حسّاسة تسطر ما ينتابها من عوامل الوجود.

ويؤكد على أن اللغة ابتدعها الانسان لتخدمه، ويقدم رسالة إلى الكاتب والقارئ:

أن اللغة ليست سوى وسيلة من وسائل كثيرة اهتدت إليها البشرية للإفصاح عن أفكارها وعواطفها، وأن للأفكار والعواطف كياناً مستقلاً ليس للغة، فهي أولاً واللغة ثانياً، وأن كل القواميس وكتب الصرف والنحو في العالم لم تحدث يوماً ثورة ولا أوجدت أمّه، ولكن الفكر والعاطفة يجددان العالم كل يوم […] وفويل لكاتب لا يقرأ الناس بين سطوره سطوراً، وويل لقارئ لا يقرأ من الكلام إلاّ حروفه.