فارابية الموسيقى

image

الفارابي شيخ الفلسفة الحكيم أبو نصر، كما جاءت ترجمته في سير أعلام النبلاء، هو محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ التركي الفارابي المنطقي أحد الأذكياء، كان زاهداً، تأثر بـ(أرسطو) وتعددت مجالاته واهتماماته، برع بضرب العود ويذكر أنه قام بالعزف في مجلس الملك سيف الدولة بن حمدان “… فنام كلّ من في المجلس. فتركهم نياما وخرج “.

وقام الأستاذ (سالم العيّادي) في كتابه (الموسيقى و منزلتها في فلسفة الفارابي) بالبحث في المنزلة الإبستمولوجية للموسيقى النظرية في نسق العلوم عند (الفارابي).
يقول (الفارابي):

“إن صناعة الموسيقى النظرية هيئة تنطق عالمة بالألحان ولواحقها عن تصورات صادقة سابقة حاصلة في النفس”

يكون العلم النظري بالموسيقى ممكن دون تجاوز الوجود العملي – الحسي للنغم و الألحان و ذلك أولاً بدلالة “النطق”، والذي يعرفه (الفارابي):

“هيئات الموسيقى و ما بداخله من وجود إنشائي للنغم و الألحان بين ما لنا فعله – و ما ليس لنا فعله”

فنظرية (الفارابي) في الموسيقى لا تنكشف أسسها إلا إذا انكشف بعد النطق. وهناك وجهين لمفهوم النطق لدى (الفارابي) الأول منه:

ابستمولوجي يندرج مفهوم النطق بمقتضاه في مبحث شرائط العلم النظري، الوجه الثاني تواصلي يندرج هذا المفهوم بمقتضاه في مبحث المقومات التعليمية للمعرفة، ولمّا كان (الفارابي) لا يفصل بين المبحثين و لا يجعل البعد التواصلي للمعرفة شيئاً ما مضافاً إلى شرائط العلم إضافة خارجية فإن المعرفة لا تنشأ ولا تكتمل -من حيث هي شأن إنساني- إلا و لها الاستعداد الذاتي للتعميم إنتاجاً و تحصيلاً.
إن التفكير في الموسيقى كثيراً ما ينتهي إلى تعطيل التفكير فيها لتسرب المفاهيم و الفرضيات الميتافيزيقية التي تحولها لضرب من اللغز أو تردها لضرب من العبقرية تقتضي فطرة إلاهية كالتي تُنسب لـ(فيثاغورس) مثلاً، لذلك التصريف (الفارابي) لمفهوم “النطق” يمثل محاولة جذرية لعقلنة الموجود الموسيقي إجرائياً و أنسنته مذهبياً من حيث أن كلا الفعلين شرط ضروري لكمال العلم، واسم “النطق” يتمثل في القوة النفسانية المفطورة في الإنسان التي بها يميز التمييز الخاص بالإنسان دون ما سواه من الحيوان وهي التي بها يحصل للإنسان المعقولات والعلوم والصنائع وبها تكون الروّية وبها يميز الجميل والقبيح من الأفعال.

و يقول (الفارابي) في صناعة الموسيقى:

“أما الصنائع النظرية فإن معارفها كلها ينبغي أن تكون بحيث ينطق عنها”

ولأن هيئة الموسيقى النظرية هيئة “نطق” بالمعنى الذي سبق تحديده، فيصبح الموجود الموسيقي “معقول” يمكن الوقوف على مبادئه و استنباط ما يلزم عنها كما يمكن قوله قولاً تعليمياً تقويمياً يجعل منه شأناً إنسانياً يمكن التواصل فيه.
و لأن الموجود الموسيقي “معقولاً” و كان وجوده حاصلاً بالصناعة وليس بالطبيعة فإن الموسيقى العملية “الصناعة” مستعدة -من جهة ما هي صناعة إنسانية- للعقلنة، أي الاستنباط التحليلي بناء على المفهوم ذاته، فالمعقول من الألحان ليس شيئاً آخراً مغايراً أنطولوجياً للمحسوس منها بالصناعة إذا يقول (الفارابي):

“والألحان وما ينسب إليها هي من الأشياء التي تُحس وتُتَخيل وتُعقَل”

فإذاً الموجود الموسيقي “معقولاً” و كان وجوده صناعيّا فإن الهيئات الموسيقى العلمية “ناطقة” هي الأخرى.
فإذا كانت الألحان تتميز “بمعقوليتها” و بإستعدادها لفعل العقل المتمثل في “قوة التصور” و في “العبارة عنه” فإن هذه المعقولية لا تقتصر فقط على الوجود النظري للألحان وإنما هي قائمة أيضاً في وجودها العملي، بل إن هذه المعقولية النظرية ذاتها ليست إلا “صورة” الوجود العملي للألحان، فالموسيقى “معقولة” وإن كانت “واقعة فنية” تقوم على “الذوق” و “الخيال“.
نصل إلى أن الموسيقى عن (الفارابي) ليست من جنس الصنائع المهنية و لا هي من جنس أحوال السالكين وإنما هي فعل إنساني يمكن تصوره عقلياً على النحو الذي يجعل العلم به و يجعل قوله تعليمياً ممكنين .

هناك تصورات ترى الموجود الموسيقي شيئاً ما متعالياً على الصناعة الإنسانية مثلما يشير (فيثاغورس) الذي جعل من الموسيقى مبدأ كوني لا تمثل الموسيقى الانسانية بالإضافة إليه إلا وجود ناقص و ما الطابع الصوفي الذي تلبست به المفردات الرياضية الفيثاغورية إلا علامة على عجز أدوات التحليل على “تعقل” ما لا يمكن “عقله“، فموسيقى السماء عصية على الحصر المفهومي كما أن الإحساس بها وسماعها يقتضي فطرة فوق إنسانية .
أو هي ترى في الذات المبدعة ضرباً من الحضور اللاإنساني كما يقول أفلاطون فالنص الأفلاطوني لا يخلو من “تجاوز” لحدود ما هو إنساني صرف ، و لا يرى في الموسيقى واقعة إنسانية محضة و إنما يردها إلى قوة غريبة و متعالية، ويؤكد إضافة لذلك على وجمد تناغم محض و سماوي لا تمثل الموسيقى الانسانية بالاضافة إليه إلا محاكاة ينبغي تجاوزها على نحو ما .

ونرى (الغزالي) يصف التلقي الوجدي للألحان فيه غياب تام للبشرية، ويتجلى هذا النفي المزدوج في نمط تلقي “السالك المتصوف” للألحان فللسماع مثلاً لدى (الغزالي) مكانة مهمة في الرياضة الصوفية تعبر عن الحضور الوجدي الذي يكتمل في الدرجة القصوى لمقام “الفهم” – درجة الصديقين – التي يعزب فيها السامع عن نفسه و يصبح “كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود“.
وهكذا ينظر إلى الموسيقى في جميع هذه الحالات كشيء ما يتجاوز “النطق” بالمعنى الفارابي لهذا المفهوم.
ومضة: الفارابي أول من اخترع آلة القانون و الآت موسيقية أخرى، وبذكر العود أعلاه قام بتطويره وإضافة تحسينات عليه ومن ذلك العود الثماني “المثمن” أي بعدد ثمان أوتار و الذي وجده مخططه العواد (نصير شمه) و قام بنقله من الورق للواقع بصناعة (فوزي منشد).



الوسوم: