فاطمة المرنيسي و تحرر المرأة في المجتمعات المسلمة

فاطمة المرنيسي

إذا أردنا الحديث عن النسوية في عالمنا العربي لابد أن نذكر بعض الأسماء المهمة و إن قلّت. أحد أهم هذه التجارب هي عالمة الإجتماع المغربية فاطمة المرنيسي ( مواليد فاس، عام 1940 ) و التي اهتمت بمسألة النسوية و الإسلام و المفاهيم الخاصة بالمرأة في المجتمع الإسلامي و تحرر المرأة فيه.  ناقشت المرنيسي قضايا عدة في مؤلفاتها خاصة في كتاب تمرد المرأة و  الذاكرة الإسلامية  قضايا تحرر المرأة و جنسانيتها في المجتمعات المسلمة الحديثة  ، الذي انطلقت فيه من أساس أن إشكالية التحرر في المقام الأول هي إشكالية مادية لا روحانية و أن التحرر في المقام الأول مسألة توزيعٍ للموارد. و الإشكال الثاني بالنسبة لفاطمة المرنيسي هو قلة النماذج المؤثرة ” للنساء المتحررات ” فتذكر المرنيسي:

إن ردة الفعل القوية من قبل المسلمين تجاه مسألة تحرر المرأة إشكالية تُعزى إلى قلة النماذج ” للنساء المتحررات ” . فالنموذجين الرئيسين أحدهما هو النموذج العربي الداخلي ، ذلك الخاص بالعائلة و أنماط الجناسنية في حقبة ما قبل الإسلام ، و الثاني هو النموذج الغربي. إن النماذج الإشتراكية مثلا رغم أهميتها لأنماط العائلة و الجنسانية بالكاد معروفة و يتم تجاهلها بشكل ممنهج و مقصود. و كلا النموذجين الإسلامي و الغربي يقدمان نموذجا مجروحًا للجنسانية.

لتشرح فاطمة المرنيسي إشكالية الجنوسة في الإسلام تنطلق من مفاهيم جنسانية  ما قبل الإسلام. توصف عادةً الجنوسة في ما قبل الإسلام بأنها فوضوية ، و تتفشى فيها العلاقات   الجنسية غير الشرعية التي أساسها هو حرية إرادة المرأة ، و حرية اختيار شريكها في العملية الجنسية و عدم شرعية و أهمية شرعية الأب البيولوجي:

إن الفكرة من حرية إرادة الأنثى الجنسية المُشار إليها ” تحرر المرأة ” تثير على الأرجح مخاوفًا موروثة من هذه المرأة ” غير المتحضرة ” الجاهلية ، التي كان الذكر قبلها محروم من سيطرته و جميع امتيازاته عليها.

تؤكد المرنيسي أن خلط حرية الإرادة الجنسية للمرأة مع الفوضوية الجنسية لا يقتصر على المجتمعات المسلمة فقط التي تواجه تغييرات بالغة في بنية العائلات فيها:

هذا الخلط وجد ، و لا يزال موجودا في أي مجتمع يقوم نظامه العائلي على اضطهاد المرأة. فقد كان على ماركس و إنجلز مهاجمة هذا الخلط لدى الكتاب البرجوازيين بشكل متكرر ، الذين شوهوا تفكيرهم عن أية عائلة لم يتم فيها الحط من مكانة المرأة إلى منزلة دُنيا خاضعة ، و كان عليهما ان يبينا مرارًا و تكرارًا أن الجنسانية غير البرجوازية القائمة على أساس المساواة بين الجنسين لا تؤدي بالضرورة إلى علاقات جنسية غير شرعية.

ثم تعرّج على الفكرة السابقة بالنسبة للمجتمعات الإسلامية:

الزواج الإسلامي يقوم على افتراض أن النظام الإجتماعي يمكن المحافظة عليه فقط إذا تم تقييد خطورة الفوضى الكامنة للمرأة من قِبل الزوج المسيطر. و لذلك فإن المخاوف المرتبطة بنظام العائلة تبدو مبررة ، حيث هذه المخاوف مغروسة في الثقافة عبر قرون من اضطهاد المرأة. فمن المفهوم أن الذكور المسلمين يشعرون برعب من فكرة تحول أنماط عائلاتهم و حياتهم الجنسية إلى أنماط غربية. من حيث أن صفات الجنسانية في الثقافة الغربية هي تشويه لإستقامة المرأة. و هذا أيضا يبدو مفهوما فقد اقترض تحرر المرأة المسلمة كثير من صفات المرأة الغربية مثل الزي الغربي في ثلاثينات و أربعينات و خمسينات القرن العشرين و الذي كان بالمناسبة هو لباس المرأة المستعمِرة.

هذا المنحى الذي سلكه تحرر المرأة لأسباب يطول ذكرها ، جعل فاطمة المرنيسي تبحث في معقولية مخاوف الرجل المسلم من فكرة تحرر المرأة ، و التي تجدها مفهومة كثيرا من الأوقات:

 إن المخاوف التي أيقظها تغريب المرأة و الذي لازم تحرير المرأة منذ أوائل القرن العشرين إلى يومنا هذا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها مثال آخر سلسلة تمييز الذكر بصفته كائن عقلاني أكثر من المرأة ،  فالمجتمع المسلم مؤمن بأن الذكور قادرين على اختيار ما هو جيد في الحضارة الغربية ، و ترك و نبذ ماهو سئ و غير نافع. في حين النساء غير قادرة على الإختيار بشكل صحيح و هذا ما يتوافق مع الآراء الإسلامية بشكلٍ عام. و هناك عامل آخر يساعد في فهم مخاوف الرجال من التغييرات التي تحدث الآن ، وهو أن تغريب المرأة قد عزز من قدرتها الإغرائية. وهو ما يعارض الأخلاق الإسلامية ، و من المثير للإهتمام أنه لما كان على حركات تحرر المرأة الغربية رفض ظهور جسد المرأة و استغلاله في وسائل الإعلام الإباحية ، كانت المرأة المسلمة على الأرجح تطالب بحقها في جسدها كجزء من تحررها و الذي يملكه بالأساس الذكر الزوج أو الاب أو الشقيق. و نستطيع ربما ان نفهم من انتشار صالونات التجميل هو تمهيد لإلحاح المرأة على المطالبة بجسدها.