فنّ الأدب و مفهومه عند الصاّدق النيّهوم

الصادق النيهوم

الصّادق النيهوم (1937-1994) كاتب وأديب وفيلسوف ليبي. في كتاب (ماذا يُريد القارئ) من جمع و إعداد سالم الكبتي و الذي احتوى على جملة مُنتقاة من مقالات (الصادق النيهوم) في صحيفة الحقيقة الليبية و كما في تقديم الكبتي للكتاب قال: “و هي كتابات عرضت لقضايا، وناقشت موضوعات كانت تشغل بال (النيهوم) و العديد من المثقفين الليبيين في تلك الأعوام الضّاجّة بالأحداث و التشابكات و التطلّعات و الخيبات .. أيضاً.

حول الأدب يقول:
عندما يُقال عندنا إن بلدنا يحتاج إلى ( أدب ثوري ) يبدو الأمر لأول وهلة بمثابة وصفة طبيّة مشوّقة، لكن معايشة المشكلة بأي قدر من الأمانة لا يلبث أن يُشير بوضوح إلى أن هذه الوصفة بالذات قد جاءت – كالعادة – من حانوت بائع الأحجية.

فالواقع أنه، ليس ثمة شيء اسمه ( الأدب الثوري ) لاتعني شيئاً في الواقع، و لا يمكن أن تعني شيئاً في يوم من الأيام سوى أن المرء يستطيع أن يجمع أي كلمتين داخل قوس و يركب لسانه كما يشاء، لكنه بالتأكيد لن يتحرّك من مكانه بمقدار شبر واحد.

إنك تستطيع أن تقول أيضاً الأدب الاستعماري أو الأدب الرجعي أو الأدب التآمري، وتستطيع أن تخدع نفسك بها الشأن و تفترض أن النقد مضطر لأن يتوقف و يُنصت إليك، لكنه بوسعك أن تعرف مقدماً أن أحداً غيرك لن يتوقف لكي يردّد وراءك هذا الكلام إلا من باب إبداء الدهشة.

فالمرء يتعامل مع كلمات القاموس لكي يضعها معاً في هيئة خاصّة. هذه الهيئة بالضبط هي مايعرف عندنا باسم (القالب الأدبي)، وهو قالب لا يُمكن أن يكون ثورياً أو استعمارياً أو رجعياً. إنه قالب فقط.

الفكرة هي التي يُمكن أن تدعى ( ثورية ) أو ( رجعيّة ). و المرء يتصوّر هنا أن التمييز بين القالب و بين الفكرة مجرّد حيلة من حِيل النقد الأدبي و لكن الأمر في الواقع خالٍ كليّة من الحِيَل.

فالأديب لا يكتب أفكاراً. إنه يُتابع ( أحداثاً ) من واقع عالمنا و يخلق أبطالها و يتركهم يعملون على مسرح رؤيته الفنية بغضّ النظر عن مشاكل الخطأ و الصواب. إن ذلك مهمة النقد وحده. أعني مهمة التقييم لهذا العمل الأدبي الذي سيسمح له بمواصلة الحياة بيننا ( لأنه نافع وحسن ) أو يُعيده إلى العدم لأنه ( ضار و قبيح ).

الأدب رؤية فنيّة لموقع الإنسان في العالم.

أعني مثل الموسيقى و مثل الرسم و النحت مجرد رؤية خاصّة لجزء من عالمنا و الفنان لا يستطيع أن يدخل هذه الرؤية بفكرة مسبقة لأنه إذ ذاك لايحتاج إلى الرؤية أصلاً.
إنك لاترى لكي تضيء المصباح بل تضيء المصباح لكي ترى.
و الأديب لا يعيش فكرته لكي يفرضها على الحدث من الداخل لكي يكتشف فكرته. إنه لايستطيع أن يلعب دور الداعية إلا إذا انطلق من البداية متعمّداً و مع سبق الإصرار لكي يقنعك بفكرة مسطّحة لا لكي يشركك معه في معايشة رؤيته الفنية. وهنا يُصبح الأدب منشوراً دعائياً. لعية خاصة كل رأسمالها مستعار من القاموس و يتحرر كلية من حاجته إلى الموهبة.

إنك لا تحتاج إلى موهبة فنية من أيّ نوع لكي تعرض فكرتك في منشور أو في كتاب. و لكنك بالتأكيد تحتاج إلى موهبة فنية خاصّة لكي تجعلني أعيش أحداث العالم من الداخل قبل أن توجد الفكرة.. إن الشر بالنسبة للفن ليس (خطأ) بل (عدواً) أخلاقياً، و الواعظ يستطيع أن يطلب منك أن تبتعد عن الشر و يعطيك مائة سبب مقنع لكي تسمع نصيحته، ولكن الفنان وحده هو الذي يستطيع أن يمنحك القدرة على أن تكره الشر. لأنه أيضاً يستطيع أن ( يكرهه ) خلال معايشة رؤيته الفنية.

الفلسفة تقييم للأفكار من موقع الحق في العالم. و الفن معايشة للحق نفسه دون حاجة إلى الوسيلة. إن الفكر يستطيع أن يعتلي المنصّة و يعرض على الجمهور فكرة أو أكثر من فكرة معتمداً في إقناعه على وسيلة المنطق حتى يكسبه إلى جانبه أو يخسره إلى الأبد. إنه يستطيع أن يقول له، هكذا مباشرة إن الفقر ناجم عن الاستغلال و الاستغلال ناجم عن سوء توزيع القوّة و إننا إذا أعدنا القوة لكي توضع بطريقة عادلة في يدي الكتلة فإن ذلك سوف يتيح لنا الفرصة لكي نذيب مشكلة الاستغلال و بالتالي مشكلة الفقر. و لكن الفنان لايستطيع أن يمضي خطوة واحدة في هذا الطريق و يحتفظ باسمه أيضاً.

إنه في الواقع يسلك طريقاً مختلفاً كليّة و يبدأ عادةً برؤية الأسباب، فالمشكلة التي تواجهه لاتتمثل في إيجاد الحل بل في إيجاد الانسجام. و رؤيته الفنيّة تصطدم مباشرة بنتوء التناقضات و تجرّه (لاختلاق) الأحداث.

هكذا نشأت القصة القصيرة، وهكذا نشأت الرواية و المسرحية بمثابة حاجة ملحّة لاختلاق الأحداث، إننا نسيء الفهم عندما نتصور أن القصة و المسرحية أعمال فنيّة لأنها قصة و مسرحيّة، فالواقع أن الأمر مقلوب رأساً على عقِب. إن القصة و المسرحية اكتسبتا طابعاً فنياً لأنهما طريقان لحل مشكلة اختلاف الحدث.

هذه ليست خدعة جانبية تشبه خدعة البحث عن أصل الدجاجة و البيضة. فالنقاش هنا لا ضرورة له على الإطلاق. إننا نستطيع أن نعييد كتابة رواية همنغواي عن ( الشيخ و البحر ) في عدد لا يُحصى من القوالب و لكن اختلاق الحدث نفسه يبقى دائماً ضرورة ملحّة. إننا لا نستطيع أن نتخلى عن ظاهرة التناقض بين (سنتياغو) و بين البحر دون أن نخسر طابع الفن.

يُعقّب بقوله:

المشكلة تبدو هنا متمثّلة في نقطتين:

النقطة الأولى: أن الفنّان لايرى العالم كما يراه الواعظ، ولو كان بوسعه أن يحقّق هذه المعجزة لما كان ثمّة داعٍ على الإطلاق لأن تعرف الحضارة الإنسانية ظاهرة الفنّ. إنه ينظر إلى الأشياء من الزاوية السّريّة – كما قال (ويلسون) – و يعرض علينا اكتشافاته لكي نقلها أو نرفضها طبقاً لمستوياتنا الفكرية.

إن (شكسبير) الذي جاء من حافّة القرون الوسطى مايزال نصيب الأسد في المسرحيات المعروضة على مسارح موسكو و لندن رغم الاختلاف الهائل بين إيديولوجيات هذين البلدين، فالتفسير أو النقد وحده مصفّاة الفنّ طبقاً لمستويات الفكر المتوفّرة، و لو جاء (المتنبّي) الآن وقال لنا بأعلى صوته:

لاتشتري العبد إلا و العصا معه .. إن العبيد لأنجاس منـاكيد

لاعتبرناه داهية عنصرياً من عملاء أمريكا البيضاء، و لكن (المتنبّي) كان ذات يوم طبقاً لمستويات فكريّة مختلفة أكبر شاعر في المنطقة.

النقطة الثانية: أن الأدب ليس ظاهرة في اللغة بل ظاهرة في الفنّ، بمعنى أن الأدب رغم اعتماده الكلّي على كلمات القاموس ليس في الواقع نتيجة لها. إن الأديب سابِق على اللغة، ورؤيته الفنيّة كانت متوفّرة في أبعاد العقل أو الخيال الإنساني قبل أن توجد اللغة.

إننا نخلط بين الواعظ الذي يستعمل اللغة لكي ينقل لك فكرة و بين الأديب الذي يستعمل اللغة لكي ينقل لك فكرة و بين الأديب الذي يستعمل اللغة لكي ينقل لك رؤية فنيّة و ننسى في الغالب أن الأمر كلّه مجرّد صدفة. فالأديب يستعمل أيضاً النغمة و الخط و الحركة و لكننا عندئذٍ ندعوه باسم مختلف مثل ( موسيقار أو رسّام أو راقص ) متناسين أن الأصل في الواقع واحد على أيّ حال و أن اشتراك الأديب و الواعِظ في أداة واحدة لا يجعلهما بالضّرورة شخصاً واحداً باسمين مختلفين.

إن الفرق بين الفيلسوف و بين الأديب هو نفس الفرق بين الفيلسوف و بين الموسيقار و الرسام شيء يشبه النقيض.

إنك لا تستطيع أن تعزف موسيقى ثوريّة. أو ترسم رسوماً ثوريّة أو تكتب أدباً ثورياً.

إن كل ما تستطيع هو أن تقدّم فناً أو لاتقدّم شيئاً على الإطلاق.