فن النقد الموضوعي عند برهان غليون

Syrian National Council 's President Bur

برهان غليون مفكر سوري فرنسي، يشغل منصب مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس. لديه العديد من المؤلفات الهامة في مسألة النهضة والتحول الديموقراطي في البلدان العربية. في كتابه “اغتيال العقل” يناقش غليون محنة الثقافة العربية وطريقها إلى النهضة وسط العالم الحديث. وضمن ماتعرض له غليون، كتب عدة فقرات هامة عن منهج النقد الموضوعي.

أول مبادئ منهج النقد الموضوعي، هو تحديد المسائل المطروحة بشكل دقيق وعزلها أو تمييزها بعضها عن بعضها الآخر، وعن المسائل الجزئية التي تتداخل معها. وتحديد موضوع المسألة ووضعها بدقة وصراحة هو أمر أساسي لتحديد منهج المعالجة وضبط المفاهيم المستخدمة فيها.

يقتضي المنهج العلمي كما نفهمه الاعتراف أولا باستقلال الموضوع عن الفكر وقيامه بذاته. وهذا مبدأ أساسي لكل بحث جدي يرفض أن يماثل بين موضوع البحث كما هو قائم وبين الصورة التي يأخذها عنه. فمن إيجابيات هذه النظرة أنها تحصن الباحث من رؤية الموضوع من خلال ما يريد الموضوع أن يظهر نفسه به أو ما يريد الباحث أن يراه عليه. فكم من باحث ينتقد اليوم الأنظمة العربية على أنها نماذج لأنظمة قومية أو إسلامية، كما تريد هي أن تظهر نفسها لتنال بعض الشرعية، أو كما يريد هو أن يوسمها به ليبرر دعمه أو رفضه لها بدل تحليل هذه الأنظمة تحليلا موضوعيا يكشف حقيقة القوى الاجتماعية التي تقوم عليها، وطبيعة الأهداف التي تقوم عمليا بتحقيقها والدفاع عنها. والاعتراف باستقلال الموضوع هو الشرط الأول للانطلاق من الواقع الموضوعي، أي من الحركة والظاهرة لفهم قوانينها، وعدم السعي إلى التقرب منها من خلال الأفكار التي يصنعها المتحدثون عنها (…) هذا يعني أن البحث الاجتماعي العلمي يقتضي الانتقال من دراسة الخطاب وتحليله إلى دراسة الظاهرة نفسها. والمنهج العلمي يقتضي رفض البحث عن قوانين الواقع والتاريخ في الأيدلوجية التي تعبر عنه أو في مفاهيم الواقع والتاريخ، ذلك أن وظائف الأيدلوجية تغييب هذه القوانين أو ابتسارها، ومن خصائص المفهوم تجريدها واختصارها. وهو يقتضي كذلك رؤية الواقع في حركته وتغييره كظاهرة نامية ومتحولة.

ويمكن لهذا المنهج أن يكشف عن أمور كثيرة مفاجئة لا تظهر في التحليل الأيدلوجي ولا في السجال الدعاوي (…) ولا يعني هذا أن ليس للأيدلوجية قيمة في فهم الواقع أو التأثير فيه، ولكنه يعني أن الأيدلوجيات لا تفهم بمعزل عن السياق الاجتماعي والتاريخي وخارج الشروط الثقافية والسياسية التي تظهر فيها وتنمو وتتطور تركيبتها ووظائفها كأداة من أدوات الصراع. ويعني أن الأيدلوجية هي التي تفهم على ضوء الواقع وليس العكس.

شرط ثالث من شروط النظرة الموضوعية: فكل من يبحث ولديه حافز عليه أن يدفعه إليه ويشرط تحليله وتركيبه للواقع في الذهن وكشفه لجوانبه الخاصة. وأصل ذلك أن التفكير لا يحصل إلا بقصد، وأن لا حركة بدون حافز سواء أدرك الفاعل ذلك أم لا. ومن التفكير ما يحصل بظهور على الآخرين أو منافستهم في الجدارة والأهلية. وليست كل منافسة بالأمر السيء، فهي أحد مصادر دفع العلم والمعرفة. ولكن الاقتصار عليها أو جعلها الحافز الأساسي يعني قلب الباحث ولا يسمح له إلا برؤية جزء محدود من الواقع الذي يتيح له الظهور.

مغالبة الأهواء، ولا نقصد بالأهواء الرغبة المنشودة في تشويه صورة الموضوع المدروس أو تحريفها، وإنما الشروط النفسية والثقافية والبيئية وأوهام العصر التي تتحكم بكل علاقة بين الذات المفكرة وموضوع التفكير، وبغض النظر عن وعي الباحث بها أم عدمه. فليس من الممكن أن تتعامل مع موضوع دون التفاعل معه بعاطفة إيجابية أو سلبية. (…) إن تخطي المحدودية الشخصية والاجتماعية والتاريخية يتطلب الاعتراف بها أولًا، ثم الكفاح الواعي من أجل التقليل من أثرها، ومغالبة الذات الدائمة ضد ميل الإنسان الطبيعي إلى اتباع أهوائه الخاصة وتأكيد عقائده وقناعاته، ومحاباة جماعته ومناصرة أترابه، ومسايرة آراء عصره. وتستدعي محاربة الأوهام إذًا مغالبة ذاتية مستمرة وتمرسًا عليها يجعل المرء يتجرد شيئًا فشيئًا عنها، وتخلق لديه قدرة على الارتفاع إلى رتبة الحكم والنظر الموضوعيين.