فهم الفهم عند شلايرماخر

 

Friedrich_Daniel_Ernst_Schleiermacher

فريدريك شلايرماخر (1768م – 1834م ) هو فيلسوف لاهوتي ألماني، وأسس الجامعة في برلين حيث عمل فيها حتى وفاته. يُعد شلايرماخر مؤسس الهرمنيوطيقا العامة. هنا سنعرض نبذة من فكر شلايرماخر من كتاب فهم الفهم للدكتور عادل مصطفى. يمثل فكر شلايرماخر في الهرمنيوطيقا نقطة تحول في تاريخها، إذ لم يعد يُنظر إليها على أنها مادة تخصصية تتبع اللاهوت، الأدب، أو القانون، بل أصبحت هي فن الفهم؛ فهم أي قول لغوي على الإطلاق. إنّ جميع هذه النصوص تتمثل في جسد لغوي ومن ثم فلا بد من استخدام النحو لكشف معنى العبارة, فالفكرة تتفاعل مع البنية اللغوية لتكوّن المعنى، أيًّا ما كان صنف النص.

عملية الفهم وعلاقة الجزء بالكل في عملية الفهم

الفهم بالنسبة لشلايرماخر هو عملية إعادة للعمليات الذهنية لمؤلف النص. فهي عملية عكس التأليف، لأنها تبدأ من تعبير ثابت ومكتمل وتعود للخلف إلى الحياة الذهنية التي نبع منها التعبير. إن المؤلف يبني جملة، وعلى القارىء أن ينفذ إلى داخل بناء الجملة وبناء الفكرة.

شلايرماخر يقدم الفهم كعملية حدسية استشفافية. فلو أخذنا الجملة على سبيل المثال فهي وحدة كلية، ونحن نفهم معنى الكلمة المردة داخل الجملة بإحالتها إلى الجملة الكلية، والجملة أيضًا يعتمد معناها الكلي على معنى كلماتها المفردة. وخلال هذا التفاعل الجدلي بين الكل والجزء يمنح كل منهما الآخر معناه ومغزاه. والمفارقة هنا: أنّه إذا تعيّن علينا أن نفهم الكل لكي نفهم الأجزاء، فلن يتأتى لنا أن نفهم أي شيء، لأن الجزء أيضًا يستمد معناه من الكل، وبناء على هذا يعتبرمفهوم “دائرة التأويل” مفهومًا ممتنعًا ومستحيلًا. لكن شلايرماخر يجيب بأن هنالك “قفزة” تحدث إلى داخل دائرة التأويل، وأننا نفهم الكل والجزء معًا بنفس اللحظة. عملية الفهم اذًا ليست خطًا مستقيمًا، بل ومضة وحدس يأتي في لحظة معينة يوحي لنا بفهم المعنى فجأة.

أهمية القدر المشترك من المعرفة

دائرة الهرمنيوطيقا تومئ إلى منطقة من الفهم المشترك، فما دام كل تواصل هو علاقة حوارية فهو يفترض منذ البداية وجود معنى مشترك بين المؤلف والقارئ. إن المرء لا بد أن يكون قد تحصّل على حد أدنى من المعرفة المسبقة الضرورية للفهم والتي بدونها يتعذر عليه أن يقفز داخل الدائرة التأويلية. لدينا مثال واضح على هذه الظاهرة فيما نجده من غموض واستغلاق لدى القراءة الأولى لكتّاب مثل كيركجارد ونيتشه وهيدجر؛ فالمشكلة هنا هي أن فهم كتابات هؤلاء يتطلب إلمامًا بالاتجاه العام لفكر الكاتب، وبدون هذا الإلمام العام يتعذر فهم أقوالهم الجزئية بل يتعذر استخلاص معنى واضح من أعمالهم الكاملة.

التأويل عند شلايرماخر يتكون من لحظتين متفاعلتين؛ اللحظة اللغوية (لتحديد المعنى وفقًا لقوانين اللغة وموضوعيتها) ولحظة سيكولوجية (تركز على ما هو ذاتي وفردي بالنسبة للمؤلف، أن تفهم النص بوصفه واقعًا في تفكير المؤلف. بمعنى أن تحاول تشييد الفكر نفسه الخاص بالمؤلف من خلال تأويل نصه).

التحول والمآخذ

كان الرأي المبكر لشلايرماخر يقول باللحظة اللغوية بشكل أساسي؛ أنّه لا شيء نبدأ منه ولا ننتهي إليه غير اللغة، وما من شيء موضوعي أو ذاتي نبتغيه إلا هو كامن في اللغة وينبغي أن يلتمس في اللغة. ثم حدث تحول حاسم في في فكره، فقد تخلى عن رأيه الأول وأعتقد أن مهمة الهرمنيوطيقا تتجاوز اللغة وتقف على العملية الداخلية الذهنية للمؤلف. وبالرغم أن هذا لا يتم إلا من خلال اللغة نفسها إلّا أنها الآن لم تعد مردافة للفكر كما كانت قناعة شلايرماخر لفترة طويلة سابقة. ومن هنا رأى كيميرلي وجادامر أنه قد ضل الطريق وشغله غموض “الآخر” عن غموض “التاريخ”، وحتى عن الأهمية المركزية للغة في التأويل. وباختصار، كانت جهود شلايرماخر التأويلية ترمي بشكل عام​ إلى تحويل الفهم إلى علم منظم. وذلك بتنظيم الملاحظات المتفرقة في وحدة متماسكة منهجيًا والتي بدورها يمكن أن ترشدنا في عملية استخلاص المعنى من أي نص.