فولتير: هل التسامح حق طبيعي أم إنساني؟

فولتير

فولتير (1694-1778)، واسمه الحقيقي (فرانسوا ماري آروويه). كاتب وفيلسوف فرنسي عـاش في عصر التنوير. عُرف بنقده الساخر، وذاع صيته بسبب سخريته الفلسفية الظريفة ودفاعه عن الحريات المدنية خاصة حرية العقيدة، والمساواة وكرامة الإنسان.

في كتابه الذي نشره في القرن الثامن عشر، والمُعنون بـ(قول في التسامح)، تحدث منتقدًا التعصب الديني، ومحاولة إرغام الآخرين على اقتناق قناعاتنا وأدياننا، مستشهدًا بالكثير من المجازر والوقائع البشعة التي طالت العالم، بسبب المتعصبين من مختلف الأديان، حتى الدين المسيحي الذي يعتنقه هو.

يتساءل (فولتير) عما إذا كان التسامح حق طبيعي أم حق إنساني، فيقول:

إن القانون الطبيعي هو القانون الذي تشير به الطبيعة إلى كل الكائنات الإنسانية. لقد ربّيتم ابنكم، فلكم حق الاحترام، كما هو الحق في الاعتراف بالأب والمحسن. لكم الحق في ما تنتجه الأرض التي زرعتموها بأيديكم. لقد منحتم وعدًا أو تلقيتموه، فعليكم الوفاء به.

لا يمكن للقانون الإنساني أن يتأسس، في أي حال من الأحوال، سوى استنادًا إلى الحق الطبيعي؛ والمبدأ الأسمى، المبدأ الكوني، في هذا وذاك، وهو ذاته في الأرض كلها: “لا تقم بما لا تود أن يقوم به الآخرون ضدك”. والحال أننا لا نعرف كيف يمكن لرجل، حسب هذا المبدأ، أن يقول لرجل آخر: “آمن بما أؤمن به، أو سأعرضك للهلاك”. هذا ما يُقال في البرتغال واسبانيا لـغُوا. إننا نكتفي الآن، في بلدان أخرى، بالقول: “آمن أو سأحقد عليك، آمن أو سأسيء إليك بما استطعت إليه سبيلًا، أيها الوحش، أنت لا تؤمن بديني، إذن لا دين لك: ستسيء إلى جيرانك ومدينتك وإقليمك”.

فإذا كان من الحق الإنساني أن يتصرف المرء بهذه الطريقة، فعلى الياباني إذن أن يكره الصيني، ويحكم بالإعدام على السيامي. فهذا الآخر يسير وراء الغانغاريديين الذين تسلطوا على سكان الهندوس، فكان المغولي ينتزع قلب أول ملاباري يصادفه، والمالاباري يمكن أن يذبح الفارسي، ويمكن للفارسي بدوره أن ينكّل بالتركي: وجميعهم يمكن أن ينقضّوا على المسيحي، هؤلاء الذين اقتتلوا طويلًا  في ما بينهم.

إن الحق في التعصب هو حق عبثي وهمجي: إنه قانون النمور، وهو رهيب حقًا، ذلك أن النمور لا تمزق فريستها إلا من أجل الأكل، ونحن نمزق بعضنا بعضًا من أجل فقرات من نصوص دينية.

فالتشدد أو التعصب لا يقود إلا إلى العنف والقتل، والتاريخ شاهد على ذلك:

فإن ما يقود إليه التشدد في الدين، كيفما كانت درجة قدسيته، هو ارتكاب الجريمة. وسيكون من مصلحة الإنسان أن يتأمل دينه ليعرف هل يجب أن يكون مصدر رحمة أم مصدرًا للهمجية.

ومن ثُم، فإن المضطهدين قد يقومون بالكثير لأجل اخفاء دينهم الحقيقي، خوفًا من البطش والتنكيل:

فبما أن الديانة المسيحية إلهية، فإن أمرها ليس بين يدي الإنسان؛ فإذا كانت من عند الله، فإن الله وحده سيحميها بدون عونكم. هل تعرفون أن التعصب لا يمكن أن ينتج سوى المنافقين أو المتمردين؟ يا له من بديل تافه. وأخيرًا هل تريدون أن تساندوا دين الله بجلادين يقوم جلادون آخرون بتدميرهم، هذا الدين الذي لم يدعُ إلا إلى اللين والصبر؟

ثم يفرد فصلًا  يقتبس عن غيره، بضع اقتباسات عن التسامح، اخترنا لكم منها:

“الإيمان يحصل بالاقتناع الذاتي، ولا يمكن أن يُفرض من الخارج”. [Flechier, eveque de Nimes, Letter 19]

“ما يصدق على الدين، يصدق على الحب: إن إرغام الناس على شيء لا يمكن أن يؤدي إلى أي شيء، أحرى أن يقوم بذلك الإكراه، فليس هناك أشد حرية من أن نحب وأن نؤمن”. [Amelot de La Houssaie, sur les Letters du cardinal d’Ossat]

“إن فرض دين ما بالقوم هو دليل واضح على أن العقل الذي يهدي إليه مناهض للحقيقة”. [Dirois, docteur de Sorbonne, liv. VI, chap. IV]

ويقول أيضًا:

لقد جاء الدين من أجل إسعادنا في هذه الحياة وفي الآخرة. فما شرط السعادة في الحياة الآتية؟ هو أن يكون المرء عادلًا.

فماذا على المرء القيام به لكي يكون عادلًا، وفق ما تسمح به طبيعته المحدودة؟ هو أن يكون متسامحًا.

ويقول عن المتشددين:

بل إنهم نذروا أنفسهم لكي يكرهوا إخوانهم، كما لو أننا نتوفر على ما يكفي من الدين لكي نكره ونضطهد، ولكننا لا نملك منه إلا القليل من أجل الحب وتقديم العون للآخرين.

ويختتم قائلًا:

وفي الأخير، يمكن القول إن التسامح لم يكن أبدًا مصدر حروبٍ أهلية. وقد غمر التعصب العالم بالتطاحن. ولنحكم اليوم بين هذين الخصمين: بين الأم التي تود أن تذبح ابنها، وتلك التي تتخلى عنه، لأنها فقط تريده أن يعيش.

لا أتحدث هنا إلا عن مصلحة الأمم، وأنا أحترم، كما يجب، اللاهوت، لا أود في هذا المقال إلا الخير المادي والأخلاقي للمجتمع. وأتوسل إليك أيها القارئ غير المتحيز أن تقيس الحقائق، وأن تعدّل منها وتنشرها. إن القراء الحذاق يمكن أن يذهبوا دائمًا أبعد مما يوده المؤلف.