فيرناندو بيسوا .. شاعر كان الأدب كله

 

بيسوا

ولد (بيسوا) في لشبونة عام 1888 وتوفي فيها عام 1935، حيث يعتبر (بيسوا) قائد حركة الحداثة في البرتغال وملهم الشعراء في القرن العشرين. وقد كان (بيسوا) إنسانوياً يحاول فهم كل شيء في عصر الفوضى الذي عاش به، ومن هنا كانت فلسفته أو معضلته الفلسفية، لقد كان مستاءً من ميل الأجيال التي سبقته إلى نقد أسس الإيمان الذي “حول الأناجيل والعهد القديم لليهود إلى ركام مشكوك فيه من الأساطير والخرافات ومن الأدب المحض“، كما كان يرى بأن حرية الجدل هي التي أخرجت إلى النقاش العلني سائر المعضلات الميتافيزيقية، والتي سحبت معها أيضاً كل القضايا والمشكلات الدينية المنتمية إلى الميتافيزيقيا”.

إذاً كان (بيسوا) فيلسوفاً يسعى لفهم كل شيء في عصر قلبت فيه كل قواعد الحياة، ليزول اليقين الذي كانت تمنحه المعتقدات ويسود الشك الذي قوّض النظم المجتمعية وأسسها الثقافية عوضاً عنه، ويقول في مستهل (كتاب اللاطمأنينة):

عندما جاء الجيل الذي أنتمي إليه إلى الوجود لم يجد أي سند عقلي أو روحي ذلك أن العمل الهدام الذي قامت به الأجيال السابقة لنا جعل العالم الذي ولدنا فيه مفتقراً إلى الأمان الديني، وإلى الدعم الأخلاقي، وإلى الاستقرار السياسي، لقد ولدنا إذاً في أوج القلق الميتافيزيقي، في أوج القلق الروحي، وفي أوج اللاطمأنينة السياسية.

بعد وفاة (بيسوا) عثر على حقيبة تحوي على أكثر من 25000 مخطوطة عن موضوعات مختلفة منها الشعر، الفلسفة، النقد وبعض الترجمات والمسرحيات، كما أنها تحتوي على خرائط لأبداله، وهي اليوم محفوظة في مكتبة لشبونة الوطنية ضمن ما يعرف بـ“أرشيف (بيسوا)”.

أبدال (بيسوا) هم شخصيات قام باختراعها ومنحها أسماء مختلفة، ولم تكن تلك الأبدال مجرد أسماء مستعارة ليكتب بيسوا بعض أشعاره تحت اسمها بل كانت شخصيات مستقلة عمل (بيسوا) على تمييزها بسيرة شخصية خاصة بها، بالإضافة إلى منحها العديد من الميزات الشخصية والآراء السياسية والفلسفية والدينية والتي تميزها عن بعضها كما تميزها عن شخصيته الأساسية. ولعل أبرز هؤلاء الأبدال هم (ألبرتو كاييرو)، (ريكاردو رييس)، (ألفارو دي كامبوس)، حيث كتب كل منهم بالبرتغالية وغدوا من أشهر شعراء البرتغال في القرن العشرين. وهناك كل من (ألكسندر سيرش) و(تشارلز روبرت أنون) اللذين كتبا بالإنجليزية، بالإضافة إلى (جان سول) الوحيد الذي كتب بالفرنسية. وهناك أيضاً العديد من الذوات أو الأبدال الآخرين الذين يصل عددهم إلى 80 شخص تقريباً والذين قاموا إما بالترجمة أو بالنقد أو غير ذلك.

والجدير بالذكر أن هناك ذات أنثى وحيدة تدعى (ماريا جوزيه) وهي حدباء ومصابة بداء السل، كما أنها وقعت بشكل بائس في حب السمكري الذي اعتاد على المرور من تحت نافذتها التي تجلس قربها عادة غارقة في أحلامها.

إن شهرة تلك الأبدال أو الأنداد لا تقل عن شهرة (بيسوا) نفسه، حيث لم تصدر الأعمال المخبأة في تلك الحقيبة السحرية بعد وفاته باسم (فرناندو بيسوا) فقط، بل باسم شخصياته ومن أبرز الشخصيات التي يعرفها قراء (بيسوا):

المعلم (ألبرتو كاييرو)، ويعتبره بيسوا معلمه ومعلم الشخصيتين الأساسيتين (رييس) و(كامبوس). وقد ولد (كاييرو) عام 1887 وتوفي عام 1915، لم يكن لديه أي فلسفة حيث كان يرى الأشياء على أنها أشياء مجردة دون أي أفكار إضافية تعبر عن ماهيتها، حيث يقول في إحدى قصائده:

لا أملك فلسفة أنا أملك حواساً
وإذا كنت أتحدث عن الطبيعة فليس لأنني أعرف ما هي
وإنما لأنني أحبها، أحبها لذلك بالذات
لأن من يحب لا يعرف أبداً ما يحب
ولا يعرف لماذا يحب، ولا ما هو الحب..
الحب هو البراءة الخالدة
والبراءة الوحيدة هي عدم التفكير

المهندس (ألفارو دو كامبوس)، ولد عام 1890 وتوفي في نفس العام ونفس اليوم الذي توفي فيه بيسوا 1935، وينتمي إلى التيار الحسوي، حيث كان مندفعاً وأرعناً، تأثر بوالت ويتمان ليكون بذلك وجودياً مستقبلياً برتغالياً، يميل إلى استيعاب العالم كله عن طريق الإحساس به، ليعيش في الوقت ذاته صراعاً وجودياً بين ذلك الإحساس والتفكير به متجهاً بذلك إلى العدمية. حيث يقول في قصيدته “التهام الكون:

من أجل إحساس فيزيقي جديد
امتلكت أنا الكون بكامله،
حاسة لمس جديدة جعلتني
أنتمي إلى كينونتي المتسلطة فيزيقياً،
إلى الكون بكل شموسه ونجومه
والحيوات المتعددة لأرواحه

الطبيب (ريكاردو رييس)، ولد عام 1887، هرب بعد تأسيس الجمهورية البرتغالية إلى منفاه في البرازيل، حيث كان متعاطفاً مع الملكيين، كان (رييس) حسياً أيضاً بالإضافة إلى كونه نيوكلاسيكياً ومادياً متأثراً بالكلاسيكية التجريدية. وقد كانت تتمحور قصائده عن الحياة وغرورنا فيها وضرورة تقبلنا لأقدارنا. ويمكننا أن نرى فلسفته متمثلة في قصيدة “بانعكاسات قليلة:

لا تسمح الآلهة بغير الحياة
لنرفض إذاً كل ما يرفعنا
إلى قمم لا يمكن استنشاقها،
قمم خالدة لكن بدون أزهار.
لنمتلك وحسب علم القناعة
طالما الدم في أصداغنا ينبض،
والحب نفسه غير قادر على تغضيننا
لنبق مثل الزجاج إزاء الأضواء
الشفافة، تاركاً المطر الكئيب، ينزلق،
فاتراً فحسب تجاه الشمس الدافئة
بانعكاسات قليلة.

وهناك أيضاً أبدال أخرى، حيث يقال إن (برناردو سواريس) هو كاتب (كتاب اللاطمأنينة) وهي يوميات غنائية ميتافيزيقية، و(سواريس) هذا هو أحد البدائل التي لا يعرف عنها الكثير لكن يقال إن (بيسوا) قد تعرف عليه في مطعم صغير وحينها أسرّ (سواريس) لـ(بيسوا) عن يومياته هذه.

إن (بيسوا) مع أبداله هؤلاء لم يكن شخصاً واحداً فقط، وإنما كان مجموعة من الشعراء في شخص واحد، ليشكل بذلك الأدب البرتغالي في تلك الفترة، كما كان له تأثير بالغ على معظم شعراء البرتغال من بعده، فالبعض منهم تأثر بشكل مباشر عن طريق تبني أسلوبه الشعري أو الفلسفي، والبعض الآخر تأثر بشكل غير مباشر أثناء محاولته عدم التأثر به، لكنه وجد نفسه متأثراً دون أن يدري بأحد هؤلاء الشعراء الذين كانوا جميعهم (فيرناندو بيسوا).