خطاب فيكتور هوغو عن البؤس

Victor_Hugo_by_Étienne_Carjat_1876

فيكتور هوجو ( 1802 – 1885) هو أديب وشاعر فرنسي، من أبرز أدباء فرنسا في الحقبة الرومانسية، ترجمت أعماله إلى أغلب اللغات المنطوقة. أثّر فيكتور هوجو في العصر الفرنسي الذي عاش فيه وقال “أنا الذي ألبست الأدب الفرنسي القبعة الحمراء” أي قبعة الجمال، وتعد رواية (البؤساء) من أشهر أعماله، والتي انعكست بدورها كأعمال مسرحية وسينمائية.

هذا الخطاب حول البؤس ألقاه فيكتور هوغو في الجمعية التشريعية الفرنسية، وهي المؤسسة الشرعية التي حلّت محل البرلمان الفرنسي بعد حله، في 9 يوليو 1849 (المصدر). وقد ترجمه للعربية الأستاذ (مصطفى القلعي)، وتم نشره بعد ذلك في العدد 53 من مجلة الدوحة الثقافية الشهرية، الصادرة عن وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية.  يقول في خطابه:

أنا ، أيها السادة، لست ممن يعتقدون أّنه بالإمكان إزالة الألم من هذا العالم، فالوجع قانون إلهّي. ولكّنني من بين الذين يعتقدون ويؤّكدون أّنه يمكننا القضاء على البؤس. لاحظوا جيدًا، أيها ّّ الّسادة، أّني لا أقول التخفيف منه ولا التقليل ولا حصره ولا الحد منه. (وإّنما) ّ أقول القضاء عليه. إّن البؤس هو مرض (أصاب) الجسد الاجتماعّي تمامًا مثل الجذام، المرض الذي كان يصيب الجسد الإنسانّي. فالبؤس يمكن أن يختفي مثلما اختفى الجذام. القضاء على البؤس! نعم، هذا ممكن! وعلى المشرّعين والحكّام أن يفكروا فيه دون هوادة. ففي قضية مهذه، بقدر ما لا يكون الفعل هو الممكن فإن الواجب يظل منقوصًا.

البؤس، أيها السادة، وسأنفذ هنا إلى صميم الموضوع، هل ترغبون في معرفة أين يقيم (البؤس)؟ هل تريدون معرفة إلى أين يمكن أن يؤول؟ إلى أين يقود، لا أقول في إيرلندا، لا أقول في العصر الوسيط (بل) أقول في فرنسا، أقول في باريس وفي العصر الذي نعيش فيه؟ هل تريدون وقائع؟

يا إلهي.. لن أترّدد في ذكر هذه الوقائع. إّنها وقائع حزينة، ولكّنها ضرورية للكشف. وإليكم، لو وجب القول، ما أفكر فيه كله، لا بد أن يخرج من هذا المجلس، وحول الحاجة التي أقدم مقترحها الشكلي، تحقيق رسمي كبير حول الحالة الحقيقية للطبقات الكادحة المعذّبة في فرنسا. أريد أن تنفجر كل الوقائع في اليوم الكبير. فكيف نريد أن برأ من الشر إذا لم نجسّ الجروح (التي خلّفها فينا)؟

إليكم، إذن، هذه الوقائع:

توجد في باريس، في ضواحي باريس التي هبّت عليها ريح الفتنة بيسر منذ عهد قريب، توجد أنهج وبيوت ومزابل حيث تختلط عائلات، عائلات بأكملها، (اختلاط) الحابل بالنّابل، رجال ونساء وفتيات شابّات وأطفال ليس لهم من الفراش والغطاء وكدت أقول من الملابس إلا أكوام نتنة من الخرق المتخمّرة الملتقطة من الوحل على زوايا الأرصفة. إنها مدن مزابل فيها تُقبر مخلوقات بشرية حية للإفلات من البرد شتاءً. هذه واقعة.

وإليكم وقائع أخرى: هذه الأيام الأخيرة، (ثمة) أديب، يا إلهي، أديب شقيّ، فالبؤس يصيب المهن الليبرالية بقدر ما يصيب المهن اليدوية، (ثمة) أديب شقيّ مات جوعًا، مات بسبب الجوع فعلًا. وقد علمنا، بعد موته، أنه لم يأكل منذ ستة أيام. هل تريدون شيئًا آخرًا أشد إيلامًا؟ الشهر الماضي، وخلال تفاقم الكوليرا، وجدنا أمّاً وأطفالها الأربعة يبحثون عن طعام لهم في بقايا جثث آدمية منتنة متراكمة في مونت فوكون (Montfaucon)!

نعم، أيها السادة .. أقول إنّ هنا أشياء وجب ألا تكون. أقول إن علينا كمجتمع أن يصرف كل قواه وكل عنايته وكل ذكاؤه وكل إرادته من أجل آلا تحدث أشياء كهذه. أقول إن مثل هذه الأحداث في بلد متحضر تلزم وعي المجتمع بأكمله، المجتمع الذي أشعر، أنا المتكلم، بأني شريك فيه ومتضامن معه. (أقول) إن وقائع كهذه ليست فقط أخطاء في حق الإنسان، بل جرائم في حق الله!

لهذا أنا شديد الاقتناع (بما عرضته) .. لهذا أريد أن يمتلئ كل من يسمعونني بالأهمية القصوى للمقترح المعروض عليهم. وهذه ليست خطوة أولى، وإنما حاسمة. أريد من هذه الجمعية، أغلبية وأقلية، لا يهم، أنا أعرف أغلبية وأقلية في مثل هذه المسائل، أريد من هذه الجمعية ألا تكون إلا روح واحدة للسير نحو هذا الهدف، نحو هذا الهدف الرائع، نحو هذا الهدف النبيل، إلغاء البؤس!

نعم، أيها السادة، أنا لا أخاطب فقط كرمكم، أنا أخاطب ما هو أكثر جدية من المشرّعين! وفي هذا الموضوع كلمة أخيرة (سأقولها) وأنهي:

أيها السادة، مثلما قلت لكم منذ حين، أنتم جئتم بمساعدة من الحرس الوطني والجيش وكل القوى الحيّة في البلد .. جئتم لتثبيت (أركان) الدولة المزعزعة مرة أخرى. فلم تتراجعوا أمام أي خطر. ولم تترددوا أمام أي واجب. لقد أنقذتم المجتمع المستقيم والحكومة الشرعية والمؤسسات والسلم العمومية والحضارة نفسها. لقد أنجزتم شيئًا مرموقًا .. نعم! هو: أنكم لم تفعلوا شيئًا.

أنتم لم تفعلوا شيئًا، أنا ألّح على هذه النقطة، مادام النظام المادّي الذي ثبتموه ليست قاعدته النظام الأخلاقي الوطيد! أنتم لم تفعلوا شيئًا ما دام خلفكم جزء من الشعب فاقد الأمل! أنتم لم تفعلوا شيئًا ما دام من هم في فورة الشباب، وهم القوة العاملة، يمكن ألا يجدوا خبزًا، وما دام الشيوخ الذين كانوا قد عملوا، يمكن ألا يجدوا مأوى، وما دام الربا ينهش شركاتنا، وما دمنا نموت جوعًا في مدننا، وما لم تكن بيننا قوانين أخوية .. قوانين إنجيلية تجمع على تقديم المساعدة للعائلات الفقيرة الفاضلة وللريفيين وللعمال والناس الطيبين.

إنكم لم تفعلوا شيئًا ما دامت روح الثورة تتخذ لها المعاناة الشعبية مساعدًا. أنتم لم تفعلوا شيئًا .. لا شيء، ما دام الرجل الشرير في هذا الفعل التتدميري، فعل الدياجير، الذي ما يزال مستمرًا تحت الأرض، يتخذ له معاونًا حتميًا الرجل الشقي.