كافكا عن الحب والصبر

كافكا

الصبر هو المفتاح. على المرء أن تكون لديه العاطفة تجاه كل شيء، وأن يسلّم بكل شيء أيضا، لكن عليه أن يُبقى على الصبر والتحمل.

في إحدى صباحات مارس من سنة 1920، زار التشيكي (غوستاف جانوش) مؤسسة للتأمين حيث كان يعمل والده. وقد كان الهدف من زيارته تلك هو الالتقاء بزميل أبيه، الشاعر ذو السبعة عشر عاما، مؤلف رواية (المسخ): (فرانز كافكا)، والذي عمل في تلك الشركة مدة اثنتي عشرة سنة.

هكذا بدأت صداقة الرجلين التي توصف بأنها غير متوقعة وغريبة نوعا ما. قضى الصديقان السنوات الأربع الأخيرة من حياة كافكا في السير لمسافات طويلة عبر المدينة، جاعلان حديثهما عن الأدب والحياة. وبعد فترة طويلة من وفاة صديقه قام (جانوش) بنشر مجموع تلك المحادثات عام 1951 تحت عنوان (محادثات مع كافكا) . ما جعل هذه المحادثات مميزة هو أن معظم ما قيل فيها يتعارض مع الصورة المألوفة لـ(كافكا) كشخص ارتبط اسمه بالسوداوية والكآبة.  يعلل (جانوش) ذلك بقوله : “لعل ذلك يرجع إلى أن كلينا كان مستمتعا بحديثه مع الآخر”. لقد أيقظ القلب المتفائل للشاب (جانوش) أجزاء خامدة في روح (كافكا)، الأمر الذي أضفى كثيرا من الرونق والبهاء على نقاشاتهم.

الفن صلاة، هو يد ممدودة في الظلام، تبحثُ عن نفحة رحمة تحولها إلى يد تهب النعم، أما الشعر والحب فكما يقول (غوته): “هو كل يعنينا نحن البشر”.

وعن شقاءات الحب المشؤومة ، يقدم (كافكا) تعريفا رائعا للحب ومجازفاته، ويقول:

هو خافض ورافع في آن معاً. وهو بالرغم من كل شيء بسيط جدا، فالحب هو كل ما يقوي، ويُوسع، ويثري حياتنا. في أوجه وفي أعماقه، ليس للحب معضلات جمة، شأنه كالسيارة، المشاكل الوحيدة هي السائق، أو الركاب، أو الطريق. وكما نعلم، فلا شيء غير هذه الثلاثة يمكن أن يتسبب في حادث.

وبشهادة ما كتبه من رسائل حب جميلة مليئة بالعذابات فقد كان لـ(كافكا) علاقة حميمة مع الأسى والحسرة، ولعل سبب ذلك هو أن “الحسرة هي ما تجعلنا ناضجين” كما يقول. فالتجربة الفريدة لـ(كافكا) هي ما سمحت له أيضا بأن يكون الناصح الأمين لـ(غوستاف) بعد طلاق والديه الذي سبب له الضيق وأرداه بقلب ممزق يائس من إمكانية وجود سعادة في الحب. مرددا اعتقادا لـ(نيتشه) بأن الحياة الرغدة تتطلب قبول الصعوبات، حثّ (كافكا) الشاب (غوستاف) أن يبقي على عواطفه حاضرة قائلاً:

“كن هادئا وحليما، دع الشر والبغض يمر خلالك بهدوء، ولا تحاول تجنبهما. ولكن في المقابل، تأملهما بعناية وأعمل ذكائك بدل ردود الفعل الهوجاء، وسوف تتغلب على مشاكلك. ليس بإمكان الرجل أن يحقق العظمة إلا إن تغلب على ضعفه”

ووجهة نظر (كافكا) هذه تذكرنا بما قاله (جون ستينبك) عن الحب ناصحاً ابنه المراهق:”إذا كان حقيقيا، فسوف يكون” ويضيف: ” احذر أن تتعجل،  فالشيء الجيد لا يبتعد

يخبر (كافكا) الشاب (غوستاف) أيضا ويقول:

الصبر هو المفتاح. على المرء أن تكون لديه العاطفة تجاه شيء، وأن يسلّم بكل شيء أيضا، لكن عليه أن يُبقى على الصبر والتحمل فلا شيء أفظع من الانكسار. إنها مسألة غَلَبة، وهي تبدأ من أن يتغلب واحدنا على نفسه. وهذا أمر لا يمكن تجنبه، لأن تجاوز هذا الطريق يتطلب قطعه. يجب على المرء أن يقبل كل شيء بصبر، وأن يترك الصبر يكبر داخله. فلا يمكن كسر حواجز الأنا إلا من خلال الحب. الإنسان وهو محاط بحفيف الأوراق الميتة، عليه أن يرى لون الربيع الأخضر الطري، أن يعوّد نفسه على الصبر، وينتظر. فالصبر هو الأساس الحقيقي الوحيد الذي يوصل الأحلام للحقيقة.

يضم (محادثات مع كافكا) مجموعة أحاديث قيمة، قاتمة في كثير من الأحيان، وساطعة في أخرى، وعميقة للغاية في كل أجزائها، فهي تنبع من أكثر العقول المعقدة والمقنعة التي أفرزتها البشرية.

[المصدر]