كيف نبني مجتمعًا أفضل ؟ مالك بن نبي يجيب

1_1028263_1_34

مالك بن نبي – المفكر والكاتب الجزائري وأحد رواد حركة النهضة الفكرية في مطلع القرن العشرين- يتحدث في كتابه “تأملات” عن بناء المجمعات، وفي معرض حديثه يقول

هناك لَبْس أدى للأسف، في التاريخ القريب -أي في الأربعين أو الخمسين سنة التي مضت- أدت بنا إلى غلطات ارتكبناها لأننا لم ندقق في مصطلحات الاجتماع، ففهمنا أن المجتمع إنما هو عبارة عن عدد من الأفراد، يعيشون كما يشاؤون مهما كانت الصلات بينهم، وليس هذا هو المجتمع. هذا يمكن أن نسميه بقايا مجتمعات أو بداية مجتمعات قبل أن تقوم وظيفته التاريخية. أما المجتمع الذي يقوم بوظيفته التاريخية، المجتمع الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد ويحقق راحة الفرد، فإنه لابد أن نفهم معناه معنىً دقيقًا. فهو ليس عدد من الإفراد، هو بنيان وليس تكديسًا للأشخاص، بنيان بمقدسات متفق عليها. فقبل أن تتجمع الأفراد تكون هناك فكرة عامة هي التي تؤلف بين أفراد المجتمع. فإذا فقدت هذه الفكرة فُقدت الصِلات بين الأفراد، وتفكك المجتمع وضاعت المصلحة التي كانت تتمثل فيه [..] إن المجتمع وظيفته حفظ كيان الفرد، وتحقيق أهداف الجماعة، فالقضية ليست قضية حفظ النوع، لأن التناسل قد وفرته الحياة الطبيعية، فالإنسان يعيش لأهداف أخرى، والمجتمع الإنساني يقرر فكرته في مستوى آخر، ليس مستوى البقاء، ولكن مستوى تطور النوع ورُقِيّه، هذه هي حقيقة المجتمع التي ينبني عليها كيانه.

[..]

إن الغاية من كل ذلك تحقيق سعادة الإنسان. فالفرد إذ يتصل بالمجتمع فإنما ليحقق سعادته، وما أتت الأديان والفلسفات إلا لتحقق السعادة، وما خططت السياسات إلا لهذا الغرض بالأساس. [..] فالإنسان الذي لا يكون مجتمعه مجتمع حضارة، معرض للحرمان من الضمانات الاجتماعية. فأنا حينما أحاول تحديد مجتمع أفضل فكأنني أحاول تحديد أسلوب حضارة. إذ أنني حينما أحقق الحضارة، أحقق جميع شروط الحياة، والأسباب التي تأتي بمتوسط الدخل المرتفع، بمعنى أنني أحقق الخريطة الاقتصادية، ونتائجها الاجتماعية والثقافية أيضًا. [..] وهذا يقتضي أن نفكر في المجتمع تفكير بناء وليس تفكير تكديس، لأن التكديس في المجتمع ظاهرة مضرة، وهي تظهر حتى في مجال الفكر بعد ذلك.

[..]

إن علينا أن نكوِّن حضارة، أي أن نبني لا أن نكدس، فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس. إن علينا أن ندرك أن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بالحضارة، والاستحالة هنا اقتصادية واجتماعية. فالقضية إذًا ليست قضية فقر، وإنما هي أمر يتعلق بأساس مشكلاتنا. فعلينا أن نفكر في جذور المشكلات، وندرك أن القضية هي قضية حضارة. وما الفقر والغنى، ولا الجهل والمرض إلا أعرض لتلك المشكلة الأساسية .. فالحضارة هي التي تكوّن منتجاتها وليست المنتجات هي التي تحدد الحضارة. [..] أقول في النهاية : الحضارة = إنسان + أرض + وقت. [..] فأنا إذًا حينما أحاول التخطيط لحضارة فليس علي أن أفكر في منتجاتها، وإنما في أشياء ثلاثة ؛ في الإنسان والأرض والوقت. فحينما أحل هذه المشاكل حلًا علميًا، بأن أبني الإنسان بناءً متكاملًا، وأعتني بالتراب والزمن فإنني حينئذ كونت المجتمع الأفضل، كونت الحضارة التي هي الإطار الذي تتم فيه السعادة للفرد.

لمزيد من الإيضاح حول فكرة الإنسان والأرض والوقت، ننصح بقراءة كتاب “شروط النهضة [تحميل]” لمالك بن نبي