لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.٢)

بول أوستر

 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
[اقرأ: الجزء الأول من المقابلة]

هذا الجزء الثاني في مقابلة (بول أوستر) مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، التي نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥:

يتحدث (بول أوستر) في هذا الجزء عن صراع الإيديولوجيات والتشابه الحضاري الذي يشهده الإنسان على مر العصور، عن سطوة التنكنولوجيا وانفتاحنا نحن البشر على العوالم الافتراضية، بالرغم من أنه استغنى عن معالج النصوص ولازال يستخدم الآلة الكاتبة! كما يتحدث في هذا الجزء عن علاقة الكاتب بالأمكنة، وكيف يلجأ الكاتب بطريقة مّا إلى خلق نفسه من جديد وتحفيز مكامنه الداخلية سعياً وراء التجديد والتغيير.


أماكن:

لقد تذكرت شيئاً مّا طرأ على بالي حين ذكرت لي أمر شقتك الصغيرة، وأتمنى ألا تمانع قولي بأنك تمتلك منزلاً استثنائياً، إنه من تلك المنازل التي فيما أتخيل من المستحيل تركها أو الابتعاد عنها، بمكتب جميل أمارس الكتابة فيه، لكنك في الحقيقة، أراك رتبت خروجك خلسة من هذا المنزل، تنزلق وتنسلّ بطريقة مّا تجعلك ككاتب تتغذى عليها حتى أصبحَت جزءًا لا يتجزأ مما تفعله.

الأمر معقد بعض الشيء، في الحقيقة اعتدت أنا والأولاد العيش في شقة مزدحمة، ولم يكن هناك مكان لي حتى أعمل لذا بحثت عن شقة استوديو وكنت أعمل هناك قرابة الست أو السبع سنوات، ثم اشترينا هذا المنزل بعد ذلك. في البداية، كان لدينا مستأجرون في الطابق السفلي، لكنهم رحلوا أخيراً ثم قررت أن أنقل عملي بالكامل هنا، لسنين عدة، لكن في هذه السنة الأخيرة فقد بدأنا ببعض الأعمال في المنزل، فقد تم غزو هذا الهدوء بكثير من المقاولين والنجارين، السباكين، الكهربائيين، والرسامين كذلك. كان ذلك مزعجٌ جداً، فجرس الباب كان يرن مرات عدة وجرس الهاتف كذلك. آمنت باستحالة التركيز في وضع كهذا، فكرت حينها بأنني ربما لو أعود للفكرة القديمة. وأخيراً، وجدت شقة صغيرة في الجوار منذ تسعة أشهر تقريباً، كان ذلك جيداً، وجيداً جداً. أما بخصوص هذا المنزل الاستثنائي، فكل هذا نتاج حسّ زوجتي (سيري) الجمالي الهائل، ونظرتها الثاقبة للتوازن والانسجام، لكنني طالما شعرت بأنني كالوحش (كاليبان)*، أظنني أسعد في المساحات الفارغة الخالية من البشر.

في المقابل، أنا أستمتع بالعلاقات الغير مباشرة مع الأمكنة، أتفهم أن الناس بدأت تعتقد بأنني انتقلت مجدداً إلى بروكلين للكتابة عنها، لكن الحقيقة الغائبة هي أنني كتبت غالبية كتب بروكلين هذه في تورنتو وساراتوغا سبرنقز وردهات الفنادق الألمانية، فقد بدا لي مُرضياً أن أكتب عن بروكلين من مسافة كافية عنها، أو نظرة عابرة إلى الوراء تتوق اليها.

كما حصل تماماً مع الكاتب (جيمس جويس) في دبلن. أنا أيضاً عاكف على الكتابة عن بروكلين هذه الأيام. آخر كتاب لي، وهو (ليلة التنبؤ)، كان يتمحور حول مدينة بروكلين قبل عشرين عام ٍمضت، لكنني الآن أكتب عنها مرة أخرى وكأنها بروكلين اليوم، أستطيع أن أذكر لك اسم الرواية على أية حال لأنني لن أقوم بتغييره، ألا وهو (حماقات بروكلين). إنها محاولة للكتابة نوعاً مّا في الكوميديا، وهو مجال لم أخض فيه قبلاً حقيقةً، فإني مرتاب من أي كلمة أكتبها، لكنني أستمتع بذلك حقاً، أطمح لخلق شيء مثير للاهتمام وممتع في الوقت آنه.

لا أطيق صبراً عن ذلك!

الأمر كله يتعلق بمحاولتك في مفاجأة نفسك، أن تتوجه بعكس ماكنت تفعل دائماً، تدمر وتحرق كل أعمالك السابقة، أن تجدد ذاتك مع كل مشروع تود القيام به؛ لأنك ما إن وقعت في شرك العادة، فسيختفي الفنان الذي بداخلك. يجب أن تتحدى نفسك في كل مرة ولا تعتمد على أمجادك السابقة، انتهِ منها وضعها جانباً وقل لنفسك: “الآن أنا أستعرض جانباً آخر مني لأن هذا العالم بكل تأكيد كبير ليكون مدهشاً كفاية حتى يُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”.

أظن بأنه أيا ما كان فصوتك سيكون بلا حول ولا قوة أمام ذاتك، وأعمالك أيضاً ستتحدى كل محاولاتك لتجاهلها.

بالضبط! لأن كل محاولاتك لتفادي ذاتك غير مجدية، فكل ماتحاول استكشافه موجود بداخلك، هو ذاته هوسك القديم الذي لا يتغير مع تكرار اختلاف طريقة تفكيرك، لكنك تظل تحاول وتحاول، وأظن بأنه لن يبقى الكثير من ماء وجه تلك المحاولات.

ذلك يضحكني جداً، لأنني في الفترة الحالية بدأت في كتابة رواية جديدة، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو الاستثناءات التي قمت بوضعها، الأمور التي أظنني لن أرتكبها مجدداً، كالكتابة عن مدينة بروكلين، كما أنني أتجنب الكتابة عن عائلة مّا، أبوين وأطفال؛ بالرغم من أنني لاحظت بأن كل كتاب يختلف عن الآخر كما لم أتوقع، وجميعها تتعلق بالرعب والموت. وكمن يجد نفسه مستعداً لإطلاق النار؛ اخترت أن أسلك مساراً عاطفياً هذه المرة.

هذا جيد جداً، إمكانيات كل فنان لها حدود، فإنك عندما تكون واعياً بحدود إمكانياتك، ستكون قادراً على تفجيرها، مع العلم بأنه لا أحد يستطيع الوصول لكل شيء وتقديمه وجمعه في آن واحد، بصراحة، الجميل في الفن هو كونه مساحة مخططة محورية، مساحة فيزيائية وعقلية، فمحاولاتك في جمع العالم كله في صفحة واحدة، ستحول الأمر إلى فوضىً عارمة. إن الفنَّ عبارة عن التخلص تقريباً من كل شيء مقابل التركيز على أمر معين تود تناوله والحديث عنه بطريقتك.


تكنولوجيا:

هل تجد صعوبة في إقحام التكنولوجيا في أعمالك، كالبريد الإلكتروني مثلاً أو الهواتف النقالة؟ لأنني من رأيي أجد التكنولوجيا ظهرت في تاريخ غير محدد، أظنها في العام ١٩٧٨ أو ١٩٨٤، يعني لا أعتقد بأنها تعود إلى نوعٍ معين من الخيال.

هذا سؤال مثير حقيقة. في رواية (كتاب الأوهام) التي تم نشرها في الثمانينات، كان هناك دوراً فاعلاً لآلة الفاكس، حدثٌ مهم جرى من خلالها، لذا أقول بأنني لست ضد الحديث عن التكنولوجيا بحد ذاتها. أيضاً في الكتاب الذي أعمل عليه الآن هناك ظهور خاص للبريد الإلكتروني والهواتف النقالة كذلك.

لأكون صريحاً معك، أنا من القلة القليلة الذين لم يقتنوا الكومبيوتر بعد، فلا أكتب على معالج نصوص، بل أكتب على الآلة الكاتبة. لا أملك بريداً إلكترونياً ولا أفكر حتى بإنشاء واحد. لكنني لست ضد الحديث عن أي شيء وكل شيء، بل على العكس أظن أن بهجة الرواية وجمالها يكمن في أنها تنفتح على كل شيء وأي شيء وُجد في ذلك الوقت، فليس لدي استثناءات، فلا أقول: “هذا غير مسموح به لأنه كذا وكذا...”

ليست مقاطعة إيدولوجيات بالطبع، لكنني أكثر ميلاً إلى التواني عن إقحام مثل هذه الأشياء في العمل. أستخدم البريد الإلكتروني أحياناً، لكنني لو أقحمته في الخيال الروائي أشعر بأنني تجاوزت الخيال من فوري، يبدو لي كما لو أنني أُنحّي الخيال شيئا فشيئاً من الصفحات.

هذا يقودنا الى أكثر التساؤلات تداولاً طوال سنوات. كما تعلم هناك ثلة من المتحمسين للتكنولوجيا يقولون بأن هذه التكنولوجيا ستغير العالم وطريقة تفكيره، وأنها ستقوم بصناعة ثورة في حياتنا، وليس فقط حياتنا فيزيائياً ولكن ذواتنا الداخلية كذلك. لكنني لا أؤمن بهذه الفكرة مطلقاً لسبب واحد بسيط، هو أننا لدينا أجسادٌ تمرض وتموت وتحب وتعاني وتحزن وتغضب كذلك. هناك ثوابت في حياة الإنسان البشري سواء عشت في روما القديمة أو أميركا المعاصرة، فلا أعتقد بأن الناس تغيرت بسبب غزو التليغراف أو الراديو أو الهواتف النقالة أو بسبب الطيارات أو حتى بسبب أجهزة الكومبيوتر هذه.

سبع أو ثمان سنوات مضت، تمت دعوتي إلى إسرائيل من قبل مؤسسة القدس، فأقمت هناك في مكان للفنانين يدعى “Mishchanot” مكان رائع حقيقة كان عمري وقتها خمسون عاماً ولم يسبق لي أن زرت إسرائيل من قبل، كنت يهودياً قاوم هذه الفكرة طوال حياته، فقط كنت أنتظر اللحظة المناسبة، فعندما وصلتني الرسالة من (تيدي كولك) التي تنص على أنهم يودون دعوتي للإقامة لثلاثة الى أربعة أسابيع في المبنى وكتابة أو عمل أي شيء آخر أود فعله، فشعرت بأنها اللحظة الحاسمة والمناسبة للذهاب، فذهبت بمرافقة زوجتي سيري وابنتي (صوفي). قمنا بعمل جولة في الأنحاء، كما زرنا بلدة قمران حيث تم اكتشاف مخطوطات البحر الميت، كان هناك أيضاً متحف استثنائي يحوي العديد من المخطوطات والآثار التي تم جمعها من الكهوف والمواقع الأثرية، هذه الآثار كانت مذهلة حقاً فهناك تلك الصحون التي قد تجدها اليوم في المتاجر وتستطيع شراءها، بنفس الطبعات والتصميم، أو السلال التي قد يحملها أي فرنسي أو إيطالي للذهاب إلى السوق. اليوم! فاجأني هذا الوحي، عن أنه كيف لحضارات الإنسان أن تتشابه هذا التشابه الإستثنائي وعبر عصور، لذا أشعر بأننا نستطيع أن نقرأ (هوميروس) و(سفوكليس) و(شكسبير) وكأننا نقرأ عن أنفسنا وحياتنا.

لقد قضيت مقتبل العشرينات من عمري في منطقة الخليج، في الثمانينات من القرن الماضي، وشهدت هذا الإنفجار الإستثنائي للإيدولوجيات الحوسبة، وميلاد المجلات الإلكترونية وكل مافي هذا السياق. كان هناك خوض مريع في فكرة أن حياة البشر لن تبقى على نفس الوتيرة طالما وجد هذا العالم الإفتراضي، فعلى سبيل المثال، لو قمت بقراءة سيرة المنظر السينمائي الروسي (دجيقا فيرتوف)، قبل مئة سنة عندما كان يؤسس نفس متطلبات الأفلام اليوم، ولو بحثت لعقد أو أكثر ستجد نفس الأمر ينطبق على ظهور الراديو أيضاً.  

يبدو الأمر ثورياً إذن. العالم الآن في تباعد فظيع، لكنه أصبح على اتصال ببعضه مع ظهور هذه التكنولوجيا، ولكن هذا لا ينفي وجود المخاطر بوجودها، فأبناؤنا المراهقون اليوم يقضون معظم أوقاتهم أمام الشاشات والعالم الإفتراضي هذا، ولا يعيشون حياتهم ويستمتعون بزهرة العمر، ولكن حين يكبرون وتصدمهم الحياة من حولهم سيدخلون غمار الحياة بجانبنا تماماً.

الجميل في الأمر بأن هذا العالم الإفتراضي يحتوي على الكثير من الكتابة. حيث أننا كنا نمارس نشاط الكتابة والقراءة بحد ذاتهما، حتى ظهر هذا النشاط الذي تم تصنيفه قراءة وكتابة كوضعٍ بديلٍ تماماً، صارعلى هيأة مراسلات يومية.

بالضبط! هذا يعود بنا إلى السؤال عن الخيال الروائي، عبر الأجيال صار الناس يتنبؤون بموت الرواية، على الرغم من أنني أؤمن بأن القصص المكتوبة ستواصل النهوض والمقاومة، لأنها تُجيب على كل مايحتاجه العقل البشري. من جانبي أعتقد بأن الأفلام قد تختفي قبل الرواية، لأن الرواية هي المكان الوحيد الذي يجمع بين غريبين بمحض الصدفة، بحيث أن القارئ والكاتب هما من يصنع الرواية سويةً، لأنك كقارئ ستقتحم الوعي الباطن لشخص آخر ستعوم أغوار دواخله وستقوم باكتشاف أشياء قد تكون وجدت داخلك أنت، وهذا بدوره سيمدك بالحياة أكثر.

يعجبني حرصك على تخصيص التجربة، بغض النظر عن تضخم الرواية، القراءة بحد ذاتها تجعلك تحدد استحالة شمولية التجربة وتشابهها من شخص لآخر. القراءة سلوك حميمي ونشوة مفروضة.

للرواية قارئ وحيد، هو ذاته من يحقق ذلك. شخص واحد في كل مرة يشارك الكاتب هذه الحميمية.

هوامش:

(كاليبان): أحد شخصيات (ويليام شكسبير) في مسرحيته “العاصفة”.