لماذا الخوف من العامة؟ جورج أورويل يُجيب

George-Orwell-001

جورج أورويل ( 1903 – 1950 ) هو الاسم المستعار للكاتب والروائي البريطاني إريك آرثر بلير. صدرت له عدة كتب وروايات، كرواية “1984” والتي تعتبر من أكثر الروايات العالمية شهرة وتأثيراً، كما صدر له كتاب ” متشردًا في باريس ولندن ” والذي يتحدث فيه الكاتب عن تجربته القاسية مع التشرّد. فيذكر أنه اضطر في إحدى المرات أن يعمل كغاسل للصحون في أحد الفنادق. ويشير بعد أن قضى تجربته كغاسل للصحون أن هذه المهنة ليست سوى ترفٌ بائس وعملٌ غير نافع، بل هي شكلٌ من أشكال العبودية، ولكن السؤال هو: لماذا تستمر هذه العبودية؟ فيجيب:

قال ماركوس كاتو، على العبد أن يعمل إن لم يكن نائمًا. لا يهم إن كان عمله يسد حاجةً أم لا. المهم أن يعمل، لأن العمل ذاته جيد للعبيد على الأقل. هذا الشعور لا يزال حيًا، وقد راكمَ جبالًا من الكدح غير المفيد.

أعتقد أن غريزة تخليد عمل غير نافع، تعني، في العمق، الخوف من العامة. فالعامة (هكذا تمضي الفكرة) هم حيوانات وضيعة إلى حد أنهم يكونون خطرين لو أتيح لهم وقت الفراغ، والأكثر مدعاةً للأمان أن يظلوا منشغلين إلى حدٍ يمنعهم من التفكير. والغني، الذي قد يكون صادق الثقافة، لو سئل عن تحسين العمل، فسوف يقول عادةً، كالآتي:

” نحن نعرف أن البؤس غير مفرح. والواقع أن البؤس ما دام بعيدًا عنا، فإننا نتسلح بفكرة أنه غير مفرح. لكن لا تتوقع منا أن نفعل أي شيء بصدده. نحن آسفون لطبقاتكم الدنيا، مثلما نحن آسفون لقطةٍ جرباء، غير أننا سنقاتل كالمردة ضد أي تحسين لظرفكم. نحن نشعر بأنكم مأمونون أكثر وأنتم في حالكم هذا. إن الواقع الراهن يناسبنا، ولسنا مستعدين لمخاطرة تحريركم، حتى بساعة إضافية في اليوم. هكذا، يا إخوتي الأعزاء، إن كان عليكم أن تعرقوا لدفع رحلاتنا إلى إيطاليا، فلتعرقوا، ولتحلَّ عليكم اللعنة. ”

هذا بخاصة، هو موقف الناس الأذكياء المهذبين، وبالإمكان قراءة جوهر الموقف في مائة مقال. قليلٌ جدًا من الناس المثقفين يكسبون أقل من أربعمائة باوند مثلاً في العام، ومن الطبيعي أنهم يقفون في صف الأغنياء، لأنهم يتصورون أن أي حرية يُتنازل عنها للفقراء هي تهديدٌ لحريتهم. ولأن الرجل المثقف يرى اليوتوبيا الماركسية البغيضة بديلاً عن هذا، فهو يفضل الإبقاء على الأمور كما هي. هذا الخوف المفترض من العامّة الخطرين هو الذي يجعل معظم المثقفين قومًا محافظين في آرائهم.

الخوف من العامة، خوفٌ خرافي. مستند إلى فكرة وجود فرق غامض أساسي بين الأغنياء والفقراء، كأنهما من رسّين مختلفين، كالسود والبيض. وفي الحقيقة لا يوجد مثل هذا الفرق. إن جمهرة الأغنياء والفقراء يتمايزون بدخولهم وليس بأي شيء آخر، والمليونير العادي هو غاسل الصحون العادي مرتديًا بدلة جديدة. بدّل المواقع، واقلب الأشياء: مَن القاضي؟ من اللص؟ كل من اختلط مع الفقراء على قدم المساواة يعرف هذا جيدًا. لكن المشكلة أن الناس المثقفين المهذبين أنفسهم، المتوقع منهم أن يحملوا آراء ليبرالية، لا يختلطون بالفقراء.

يتصور المثقف قطيعًا من أشباه البشر، ينتظرون يوم حرية فقط، كي ينهبوا بيته، ويحرقوا كتبه، ويجعلوه يشتغل في إصلاح ماكنة، أو تنظيف مراحيض. ويفكر: ” ليأتِ أي شيء، ليأتِ الظلم، فلا ينطلق العامة “. وهو لا يرى، ما دام الفرق غير قائم بين جمهرة الفقراء والأغنياء، أن لا موضع لإطلاق العامة. إن العامة هم مُطلقون الآن فعلاً، وهم – في صورة الأغنياء – يستعملون سلطعهم لإقامة آلات الضجر، مثل الفنادق الأنيقة. باختصار أقول إن غاسل الصحون عبدٌ، عبدٌ مضاع، يؤدي عملًا غبيًا ليست له ضرورة تقريبًا. وهو محتجز في العمل، إلى مالا نهاية، بسبب شعور غامض حول أنه سيكون خطرًا لو أُطلق سراحه. والمثقفون الذين يجب أن يقفوا إلى جانبه، مذعنون، ذلك لأنهم لا يعرفون عنه شيئًا، وبالنتيجة يخشونه.

أقول هذا عن غاسل الصحون لأني أدرس حالته هو، التي تنطبق تمامًا على المئات من الأعمال، وأنماط العمل. هذه هي آرائي في الحقائق الأساسية لحياة غاسل الصحون، قدّمتها بدون رجوع إلى القضايا الاقتصادية المباشرة، وربما كانت آراء عادية. إنني أقدمها، نماذج للأفكار التي تخطر ببال المرء حين يعمل في فندق.