لماذا تتنافر المعرفة مع الغرور والتكبر؟ الجواب عند الديناني

n00002281-b

في كتابه المهيب “مناجاة الفيلسوف” يقف أستاذ الفلسفة الإلهية والوضعية الإيراني الكبير الدكتور غلام حسين الديناني واعظاً متفلسفاً عن الغرور والتكبر و عدم انسجامهما مع العقل والمعرفة مطلقاً..

… يمكن أن ندرك بسهولة أن جوهر العقل ليس ما ليس ينسجم مع الغرور والتكبر فحسب ، وإنما يحول دائماً دون وقوع الإنسان في هذه المصيدة الخطيرة . فالغرور يُعدُّ من سِنْخِ مآرب الإنسان ورغباته ؛ وليس بالضرورة أن تكون مآرب الإنسان من مقتضيات العقل . فهذه المآرب والرغبات مقبولة ومجازة حينما تقترن بحكم الجواز العقلي . ولهذا نرى الخطأ يبدأ من النقطة التي يتعرض فيها الإنسجام بين المآرب والعقل ، للخلل . وهذا ما دفع أهل التحقيق للقول بأن دائرة التكاليف تقوم على مركز العقل ، وكلما تمتع المرء بعقل أكبر ، تحمل مسؤوليةً أكبر . وقد قال الله تعالى ( يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء ) وهذا يعني أن هناك تفاوتاً بين نساء النبي وغيرهن من النساء ( لقربهن من النبي بمعنى قربهم أيضاً من المعرفة ) ، وقد قيل الكثير عن هذا التفاوت وطرحت الآراء العديدة في هذا المضمار ، ولسنا في معرض تفسير الآية الشريفة ، وإنما نريد أن نؤكد من خلال الإستشهاد بها على أن حجم دائرة التكليف يعتمد على حجم دائرة العقل والمعرفة ؛ وطلما تكررت العبارة التالية في كلمات أهل المعرفة (( حسنات الأبرار سيئات المقربين )) أي أن ما يُعدُّ حسنةً للأبرار ، من الممكن أن يعد سيئةً للمقربين من الله تعالى.

وعلى ضوء ذلك يمكن القول بأن ذلك الذي يتبع العقل ويسير بإيحاء منه لا يُمكن أن يُصاب بالغرور والتكبر ؛ لأن العقل أدرك وقبل أي موجودٍ آخر عظمة الفعل الإلهي ، فمن الطبيعي أن إدراك عظمة الفعل الإلهي ، يمحو كل نوعٍ من أنواع التكبر والغرور ، وعظمة الفعل الإلهي ظاهرةٌ بلا ريب في الأمور المحسوسة والمعقولة والمعنوية ومن الممكن هذه العظمة عن طريق العقل . أما أولئك الذين يتحدثون عن عظمة الله وفعله بوحيٍ من التقليد ، فإنما يتحدثون في الحقيقة عن عظمة تقليدية . فالغرور والتكبر يُعدَّان جزءاً من أخلاق وطبيعة أولئك الذين حُرموا من ادراك فعل الحقِّ تبارك وتعالى وعظمته  والحرمان من إدراك ذلك يُعدُّ هو الآخر ظاهرةٌ ناجمةٌ عن الإبتعاد عن العقل والمعرفة.

ومن هنا يمكن القول بابتعاد الفيلسوف عن كل شكلٍ من أشكال الغرور والتكبر والعجب انطلاقاً من صدوره عن العقل و عمله بأحكامه وأولئك الذين يتهمون الفلاسفة بالغرور يجهلون هذه الحقيقة وهي أن الفيلسوف لا يتصف بهذه الصفة إلا حينما يتنصل من أحكام العقل ويطأطئ رأسه أمام أهوائه النفسية. 

والإستسلام للأهواء النفسية يعمل ولا شكّ على هبوط مستوى الإنسان واتسامه بالغرور ، سواءً كانت هذه الصفة في الفيلسوف أو غير الفيلسوف . والفيلسوف انطلاقاً من تعامله مع الأحكام العقلية والإستدلال ، لا يمكن أن يكون مغروراً أو متكبراً . لأن العقل – وكما قلنا – يقوم بمهمة إدراك الحقائق . والغرور لا يظهر إلا إذا حُرم الإنسان من إدراك الحقيقة ، ولا يختص هذا النوع من الحرمان إلا بأولئك الذين يناصبون أحكام العقل الصريحة العداء.

المصدر