لماذا نكتب ؟ تركي الحمد يجيب

تركي-الحمد تركي الحمد من مواليد عام 1952، هو كاتب سعودي، وَروائي وأستاذ أكاديمي سابق. في كتابه (عن الإنسان أتحدث؛ تأملات في الفعل الحضاريوهو عبارة عن جمْع لمقالات سابقة له  افتتحها بمقال عن الكتابة و لماذا نكتب؟

نكتب لأن في الكتابة شيء من التنفيس عمّا يعتمل في النفس، فلا تستطيع إلا أن نكتب.

نكتب لأننا نشعر بحاجة إلى الكتابة كما يشعر الجائع بجوعه والظامئ بظمئه أو الوسْنان بوسنه، فهل سأل الجائع نفسه يومًا لماذا أنا جائع؟ أو الظمآن لماذا أنا ظامئ؟

نكتب لأن الكتابة تُشعرنا بأنها رابطة خفيّة المعالم تربط بعضنا ببعض كأفراد، فتخلق منّا كلاً واحداً هو الإنسان .. ففي الكتابة تضيع الفردية وتغرق الذات في بحر المجموع، فتحس بأنها ماجائت عبثاً ولن تذهب عبثاً. في الكتابة أمور كثيرة تقولها لنفسك، ولكن هذه النفس تحس بأنها ماعادت نفسك أنت كفرد، بل تصل إلى إحساس مبهم بأن نفسك استحوذت على جوهر الإنسان، فتخاطب الإنسان من خلال خطابك لنفسك .. إن في ذاتك يكمن سر الوجود وكنهه الذي مافتئ العاقلون في هذا العالم يبحثون عنه، فأنت العالم والعالم أنت، و كلما عرفت ذاتك أكثر أدركت معنى العالم ومعنى الوجود.

نعم .. إن الكتابة رحلة وجودية نستقصي فيها عن سر العالم من خلال استقصائنا عن سر الذات، التي هي في متناول اليد، ولكنها بعيدة عن اليد في الوقت ذاته، مثل السهل الممتنع الذي يوصف به بعض الكتابات أحيانًا.

ثم يطرح سؤالاً بقوله: 

هل نكتب لأنفسنا أم للآخرين.؟

 سؤال تكن إجابته في سؤال آخر متشعّب الأطراف متعدد الشُّعَب.  

عندما يكتب الكاتب الحق لنفسه ويعبّر  عن ذاته إنما يكتب للآخرين، فتنعدم الحدود وتضيع المعالم، و لايبقى هنالك فرد و آخرون، ذات و ذوات، بل كل واحد يحاور نفسه ويريد التعبير عنها.

وعلى ذلك، فإن الكاتب الحق إنما يُشكل مرآة يرى فيها الآخرون ذواتهم من خلال رؤية الكاتب لذاته الفريدة.

وفي معرض حديثه ذكر أمثلة لأعمال روائية عُبّر فيها عن مسيرة الإنسان في أحزانه وأتراحه، و ذلك عن طريق الكتابة لأنفسهم وعن أنفسهم في المقام الأول و منها:

(الحرب و السلام) لـ(تولستوي)، و(الإخوة كارامازوف) لـ(دوستويفسكي)، و (الأم) لـ(غوركي) و(الشيخ و البحر) أو (لمن تقرع الأجراس) لـ(همنغواي

و(ذهب مع الريح) لـ(ميتشيل), و(كوخ العم توم) لـ(ستاو) و(ثلاثية) (نجيب محفوظ)، و(الأشجار واغتيال مرزوق) وكذلك ملحمة (مدن الملح) لـ(عبدالرحمن منيف) و(موسم الهجرة إلى الشمال) لـ(الطيب صالحمثلاً، 

تبدو كلها مختلفة إلا أن جوهرها واحد؛ فالبطل في الحالات كافة هو الإنسان ككائن كلّي (وإن اختلفت الأسماء مع اختلاف الأعمال)، و العمل ذاته ماهو إلا عرض لهذا الإنسان في تجربته الأرضية ومعاناته في هذا العالم تحت مختلف الظروف، وفي ظل مختلف البيئات. 

فملحمة مثل (الحرب و السلام) لاتختلف في جوهرها عن ملحمة أخرى كـ(الثلاثية) أو (مدن الملح ).

البطل هو الإنسان، والملحمة عند الجميع هي تتبّع معاناة هذا الإنسان وتجربته في واقع تاريخ معيّن، وسلسلة من الأحداث معيّنة قد تجعل من الملحمة شيئاً مختلفاً، إلا أن الجوهر واحد والمغزى مشترك والهدف لا تعددية فيه.

و يقول : 

إن الكاتب أو المفكر يحاول من خلال عمله تقديم فلسفته ومجمل نظراته في الحياة؛ فسواءً قال ذلك علَناً ومباشرة كما في حالة الفيلسوف، أو قاله ضمناً و مواربةً، كما في حالة الروائي. 

وفي كلتا الحالتين، يضع الكاتب نفسه في موضع البحث عن الحقيقة والمعنى في كل ما يُحيط بنا، نيابةً عن الملايين التي خضعت لرتابة الحياة من دون أن تتوقف يوماً لتتساءل عن المعنى  والهدف في كل مايجري و يحيط بها.

وعلى ذلك، فإن الكاتب الحقّ إنما يُمثل كل ماهو إنساني في الإنسان، وكل ماهو أصلي و جوهري في الفترة التي يعيش فيها.

ومن ثمّ يُعيدنا لسؤاله الأول .. لماذا نكتب؟

لأننا نبحث عن الجوهر فينا، وعن المعنى في ما حولنا وعن الهدف من مسيرتنا.

نكتب لأننا صنع مرايا نرى فيها أنفسنا في المقام الأول في مختلف الأوضاع ومختلف الاتجاهات في سبيل تكوين صورة ثابتة عمّن نحن، وماذا نريد، و إلى أين المصير، نكتب لأننا لا نريد أن نضيع في لجّة الحياة ورتابة الأيام، فنأتي ونذهب لاهون لاندري لماذا أتينا ولماذا ذهبنا.

لماذا نكتب؟ لأننا نريد أن نكون أناساً معبّرين عن جوهر الإنسان في كل ذات، ذلك الجوهر الذي تقتله الرتابة وتدفنه كما تختفي قطعة ألماس في أعماق سحيقة من التراب والفحم.

نكتب لأننا نريد أن نقول شيئًا لأنفسنا قبل أن نقوله للآخرين، و كلما كنّا أكثر صدقُا مع أنفسنا استطعنا أن نقول للآخرين شيئاً يستحق القول، وذلك من خلال قوله لأنفسنا أولاً. بمعنى آخر، مثل الكاتب الحق مثل شخص في عيادة محلل نفسي ألقى بنفسه على الأريكة، وأخذ يعترف لنفسه قبل أن يعترف للطبيب، فاكتشف من خلال ذلك جوهر نفسه، وساعد نفسه على الشفاء قبل أن يساعده الطبيب.

و يختم مقالته بقوله: 

إن الإنسان والنفس البشرية وعاء عميق، كلما غصنا فيه أكثر كلما اكتشفنا أشياء أكثر. 

كما أن العالم الخارجي والحياة الإنسانية بشكل عام عبارة عن مسرح كبير، كلما حاولنا معرفته أكثر أدركنا أننا لانعرف إلا القليل، وصغر شأننا في نظر أنفسنا. و الكاتب هو الرحّالة أو المكتشف الذي يحاول معرفة ذاته والعالم من حوله من خلال معرفته لذاته.

بوسعِ الناس أجمعين أن يكونوا رحّـالة مكتشفين. و لكن من يُترجم هذا الوسع إلى فعل؟ هذان الوسع و الفعل يبدوان من لحظة بسيطة هي لحظة وعي وتفكير، وخروج من قوقعة الجمود وقمقم القوالب الجاهزة.

 إن جوهر الإنسان يكمن في لحظة تفكير حقّة.