ماذا يعني أن تعيش بخفّة؟ رؤية فلسفيّة.

(الرغبة والمتعة: رؤية فلسفية) هو عنوان العمل الفلسفي الجديد الذي صدر لـ(عبد الصمد الكباص) عن (دار إفريقيا الشرق)، في إطار سلسلة فيلوسوفيا. ويمثل هذا العمل استمرارا للبرنامج الفلسفي الذي أعلن عنه المؤلف في كتاب (الجسد والكونية: مبادئ ثورة قادمة) الذي صدر سنة 2013، حيث حافظ فيه على ذات الإشكالية المتعلقة بسؤال الجسد.*

بقول (الكباص) في العيش بخفّة:

تهم الجمالية بالحياة،لأنها اشتغال على إمكانيات الجسد في خلق المتعة. لا يمكن تصوّر جمالية مفصولة عن الحياة،أي عن المجهود الذي يبذله الجسد لانتزاع إحساس ممتع. مثلما لا يُمكن تصوّر جماليّة مفصولة عن الحواسّ،أي التذوق المنتشي لهذه الحواس لما تحوله من العالم كموضوع لها.

يُمكننا من الآن أن نطلق لفظ “الجماليّة” على المجهود الذي نبذله من أجله انتزاع المتعة من خلال إمكانيات الجسد.

فالتذوق الحسّي الذي يتم عبر الجسد هو الذي يتم عبر الجسد هو الذي يمنح الشعر جمالية. أي ذلك التذوق المنتشي الذي يحدث من خلال العين و الأذن و اللسان و الأنف و البشرة. و نفس الشيء بالنسبة للوحة تشكيليّة أو أغنية أو مقطع موسيقي أو طبق لذيذ أو عطر نافذ.

ففيها يتحقق الجوهري في الجماليّة و المتمثّل في شحن الحواسّ بالخفّة التي تجعل العالم مطلوباً و مرغوباً و ليس فقط ضرورياً.

ليس الجماليّة فكرة، و إنما تجربة.و خارج التجربة التي تختبر في أداء الحواس و رغبات الجسد تغدو الجمالية شكلاً فارغاً قد يتحوّل إلى مفهوم ثقيل يصلح لإنهاك القرّاء أو أولئك الذين فقدوا أثر الحياة في الكتب،لكنه لا يحفّزهم على الحياة.

ويتابع قائلًا:

كلّما تحفّزت الحواس أكثر و تقوّت الرغبة و اشتدّ الشّغف بالحياة نكون بصدد تجربة فعليّة للجماليّة.

و هي التجربة التي تقنعنا أن الحياة وعد بالمتعة، لذلك يشتد شغفنا بها و انشدادنا إليها و طلنا للمزيد منها. و عندما تفتقر الحواسّ للتحفيز هو الذي يجعلنا نحتكم لحواس حية التي تجعل بدورها العالم أمامنا كياناً حياً.

ماذا تعني العيش بخفّة؟ 

تعني الخفّة هنا العيش من خلال متعة الحواس و حماس الرّغبة، وتتحقق الجمالية عبر هذه الخفّة. و إذا انتفت الثانية انتفت معها الأولى. و لا مجال للفصل بين الاثنين. فبعد أن حرّرنا الطب من ثقل السر أضحى بإمكان الجسد أن يخلق الأهم، و هو أن يجعل باب المتعة مشرعاً في الحياة، و أن يتيح وجوداً خفيفاً ملتزماً مع نفسه و مع متعته الخاصّة.

يعني: العيش بجماليـّة.

العيش بخفّة في الأفق – الذي حدّدناه سابقاً – عيشٌ لا بلزم نفسه بمعنى سابق و لا بقيمة عدا تلك التي تثبت الحياة و تزيد من قوّتها. و لأنه عيش يحقّق قيمته الأساسيّة من خلال المتعة، و لأن الظّفر بالمتعة يستدعي مجهوداً، فذلك يستلزم أسلوباً في صياغة اللحظة و تطويعها من أجل أن تغدو ممتعة و مشبعة للحواسّ و منصفة للرغبة.

العيش بخفّة هو عيش في الحاضر، إمكانه الوحيد في الزمن هو اللحظة التي تجتازني، إن الخفّة تدرك في الآن و الهنا و لاتتعلّق بأمل، إنها ترتبط بمجهود يعمل بإصرار لجعل المتعة شيئاً راهناً يختبر في إحساس مباشر للجسد و حواسّه.

و يعقّب:

إن الكلمات التي لا تمنح للحياة قدرات مضاعفة تكف عن أن تكون ذات وجود شعريّ. فالشعر الحقيقي هو ذاك الذي يتيح للحياة بأن تكون في حد ذاتها عملاً فنياً، يقوّي الحواس و يضيف إليها قدرات جديدة في تذوّق العالم.

لا ينتبه الكثيرون إلى أن الحياة التي بين أيديهم، والتي يعملون على صنعها هي إنجاز فنّي يستند إلى اجتهاد وابتكار. فعلاقة الفرد بحياته الخاصّة التي يكون هو نفسه تحققها الوحيد، هي علاقة انشغال فنّي تقوم على ممارسة اختبارات معينة و كل لحظة فيها هي حصيلة عمل و بناء.