ما هو سبب التعصب الديني المعاصر؟ جلال أمين يجيب

جلال أمين

جلال الدين أحمد أمين عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في الكتاب الأول من هذه السلسلة، تناول فيه إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري بالخصوص، والمجتمع البشري ككل. من هذه التغيرات التي تطرق إلى كان التعصب الديني، والذي يقول بأنه كان ظاهرة فردية بالسابق، إلا أنه والآن صار ظاهرة مجتمعية تستحق الدراسة، ولذا أفرد فصلًا في كتابه للحديث عنها. يقول مبتدئًا حديثه:

إن مطلبًا أساسيًا من مطالب الإنسان، في كل زمان ومكان، وأيًا كان جنسه أو لونه أو سنّه، ومهما كانت درجة “تقدمه” أو “تخلفه“، الشعور بأنه “ذو قيمة” أو الشعور باحترام الذات. إنه مطلب يكاد يعادل إشباع حاجته الجنسية أو حاجته إلى الغذاء. وهو يبدو مستعدًا للذهاب إلى أبعد مدى لتحقيقه، وأن يضحي بأغلى الأشياء من أجله. وإنه قد يشقى العمر كله من أجل أن يشعر بأنه “ذو قيمة“، ومن أجل هذا الشعور، ولا لسبب غيره، قد يدخر الإنسان ويجمع الثروات، ويحرم نفسه من متع الحياة، ويسافر إلى أقصى أطراف الأرض، وقد يتزوج أو يمتنع عن الزواج بسببه، ينجب الأطفال أو يتبناهم، ويسعى لوظيفة أو يرفضها .. إلخ. ومن أجل هذا الشعور يرتدي الإنسان رداء دون غيره، ويتزين أو لا يتزين، ويبالغ في هذا أو لا يبالغ. بل إنه قد يضرب أو يقتل أقرب الناس إليه إذا كان هذا يقربه من الشعور بأنه “ذو قيمة“، وقد يلجأ إلى خلق الأوهام لنفسه وقد يعيش طول حياته في عالم موهوم تمامًا، لا علاقة له بالحقيقة، بل قد يجنّ ويفقد عقله كلية إذا فقد الشعور بأنه ذو قيمة، بل قد يكون الجنون نفسه هو وسيلته الوحيدة للحصول على هذا الشعور.

أما بالنسبة إلى هذا الشعور، فهو شعورٌ يعتمد على الآخر بشكل كبير، ويستمد وجوده من الآخرين بشكل كبير، يقول:

فالشعور بأني “ذو قيمة” يفترض وجود شخص واحد غيري على الأقل، أي وجود مجتمع (إذ نادرًا ما يعتمد الإنسان في الحصول على هذا الشعور على الحيوان، وإن كان تعلق البعض بحيواناتهم الأليفة وسرورهم الشديد بأن حيواناتهم تميّزهم عن بقية الناس وتفتقدهم وتسرّ برؤيتهم يستند على الأرجح إلى هذا الشعور نفسه). إني أستمد شعوري بأنني “ذو قيمة” من نظرة الناس إليّ، ورأيهم فيّ، وموقفهم مني، ومن ثم فنجاحي أو فشلي في الحصول على هذا الشعور يتوقف على نجاحي أو فشلي في إقناع الناس بأني ذو قيمة، ومن ثم يتوقف أولًا وأخيرًا على سلوك اجتماعي.

ينتقل بعد ذلك إلى محور حديثه الأساسي، ألا وهو التعصب الديني، فيتساءل بدايةً معلقًا على بعض الأحداث التي كانت في تلك الفترة:

ما الذي يجعل مجموعة من الناس تسير في الشوارع وهي تهتف بأن أفراد طائفة أخرى، مخالفة لها في الدين، هم “أعداء الله“؟ ثم يهاجمون دور العبادة لهذه الطائفة المخالفة فيشعلون فيها النار، ويبعثون الخوف في هؤلاء إلى درجة تدفع امرأة منهم إلى أن تلقي بنفسها من ارتفاع عشرة أمتار، أو أن يلقوا هم بها من هذا الارتفاع، كما روت بعض الصحف؟

الأمر يصل إلى درجة الهوس الحقيقي، وهو يحمل في طياته درجة لا يستهان بها من الغضب أو الحقد أو الكراهية المستمدة في رأيي من هذا الشعور الذي وصفته في البداية، تلك الحاجة الماسة لدى المرء إلى الشعور بأنه ذو قيمة: حاجة استبدت به إلى تأكيده أو خوف مستطير من أن يفقده.

يبتدئ هذا التعصب -كان دينيًا أو غير ذلك- من لغة الخطاب، وطريقة نظرة الإنسان إلى غيره، وتحول فكرته عن غيره من المخالفين. وبذلك يستمد الإنسان هويته وتقديره الذاتي من الانتقاص من غيره. يقول د. (جلال أمين):

قد يلجأ المرء لاكتساب هذا الشعور أو تأكيده، إلى ارتكاب كثير من الصغائر. فكثير جدًا من ميلنا إلى التقليل من شأن الآخرين، بما في ذلك الإمعان في انتقاد الناس من وراء ظهورهم، والمبالغة في تضخيم أخطائهم الصغيرة، والتغاضي عن حسناتهم، والميل إلى رؤية عيوب الآخرين بدلًا من حسناتهم، كل هذا يؤكد لنا شعورنا بأننا “ذو قيمة“، وذلك عندما يعز علينا أن نكتسب هذا الشعور من أي طريق آخر غير التقليل من قيمة الآخرين. قد يكون هذا بالضبط أحد المشاعر الأساسية وراء هذا الحماس المفرط لدى المتعصب لإهانة أفراد الطوائف الأخرى والتقليل من شأنهم، ووصفهم بأنهم “أعداء الله“، فهنا يستمد المتعصب شعوره بأنه ذو قيمة في الإمعان في تقليل قيمة الآخرين. والتجاؤه إلى ذلك هو التجاء اليائس إلى التعلق بآخر طوق للنجاة يمكن أن ينقذ به نفسه، إذ قد يبدو غريبًا أن يكون المصدر الأساسي أو الوحيد لشعور المرء بأنه ذو قيمة ليس التدين نفسه، ولا رؤية الآخرين له وهو “يتدين“، بل مجرد انتسابه اسمًا إلى دين يختلف عن دين بعض الناس الآخرين، مع أن مجرد انتسابه إلى هذا الدين لا يرجع إلى فضل خاص له هو شخصيًا، أو إلى أي جهد أو عمل قام به، بل لقد وُلد عليه لأن أباه كان كذلك.

يتساءل بعد ذلك: ما هي الظروف الاجتماعية التي قد تساعد على انتشار هذا التدني من محاولة إثبات الذات، ومحاولة اكتساب الرضا عن النفس عن طريق تحقير الآخرين وإذلالهم إلى هذا الحد؟

وبحكم تخصصه، فيميل تفسيره إلى الجانب الاقتصادي-الاجتماعي أكثر. فيقتبس د. (جلال أمين) بدايةً من دراسة اجتماعية عن الجماعات المتطرفة، قام بها د. (سعد الدين إبراهيم)، خلصت في النهاية إلى أنه “من الممكن أن نقول باطمئنان أن معظم أفراد هذه الجماعات المتطرفة ينتسبون إلى الطبقة الوسطى، أو المتوسطة الصغيرة“، كما تشير إلى أنه “من الواضح تمامًا أن المستوى التعليمي لأفراد هذه الجماعات هو أعلى من المستوى التعليمي الذي حققه آباءهم“، أي أنهم من الشرائح التي حققت درجة من الصعود الاجتماعي في غمار عملية الحراك الاجتماعي.

يعلق د. (جلال أمين) على تلك المقولات بنظرته الاجتماعية-الاقتصادية:

إن هذه الشرائح الاجتماعية من الطبقة المتوسطة، لا تتمتع بالرضا عن النفس الذي تتمتع به الطبقة الجالسة على قمة الهرم الاجتماعي، أو تلك الشرائح العليا من الطبقة الوسطى الفخورة بما حققته من صعود حديث، والسعيدة بما حققته من نجاح سريع، ولا تتمتع بشعور الطمأنينة والرضا الذي تشعر به الطبقات القابعة في أسفل السلم الاجتماعي لأنها تتطلع كثيرًا إلى أعلى، وتستمد رضاها عن نفسها من أشياء أخرى ليس من بينها تحقيق مركز نسبي معين في السلم الاجتماعي.

فالطبقة الغنية برأيه معتزة بغناها ومكانتها الاجتماعية، وعلى الجهة الأخرى فالفقراء لا يطيلون النظر فيما ليس بين يديهم. وفي النهاية، فالطبقة الوسطى في ظل العولمة والتسويق المبالغ فيه للأشياء وتوسيع دائرة الاحتياجات، هي الأسهل لأن تصاب بعدم الرضا عن النفس، نتيجة كل ما تعتقد بأنه ينقصها، ولذلك فهي الطبقة الأقل تماسكًا من هذه الناحية. يتابع كلامه عن الرضا الذاتي وعن علاقته بالتشدد، فيقول عن حال الفقراء والطبقة الوسطى مع الإيمان:

إن من بين مصادر الرضا عن النفس لدى تلك الطبقات الدنيا، التدين والإيمان بالله، وإني لأزعم أن تديّن هذه الطبقات الأخيرة هو أصدق وأكثر عمقًا وأقل نفاقًا، بصفة عامة، من تديّن الكثيرين من أفراد تلك الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى التي ارتكز الحديث عليها، والتي تشعر بسخط شديد على المجتمع وعلى نفسها في نفس الوقت لعجزها عن اللحاق بمن لا تعتبرهم أفضل منها، وتفزع أشد الفزع من احتمال سقوطها إلى مستويات دنيا كانت تطمح إلى تمييز نفسها عنها.

إني أزعم أن هذا الاهتزاز العميق للثقة بالنفس، والضعف الشديد الذي أصاب شعور المرء بأنه “ذو قيمة“، وما أصاب أعدادًا غفيرة من الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى من ذعر من أن يكونوا قد فقدوا أي اعتبار في نظر الآخرين، كما فقدوه في نظر أنفسهم، أزعم أن هذا قد يكون السبب الداخلي الأساسي وراء ما يُسمى في مصر بـ”الفتنة الطائفية“.

يختتم حديثه، باقتباس أخير عن الفيلسوف الفرنسي (باسكال)، يقول فيه:

إن هذا الإنسان إذ يود لو كان عظيمًا، ويرى نفسه ضئيلًا، ويود لو كان سعيدًا، ويرى نفسه شقيًا، ويود لو كان كاملًا، ويرى نفسه مليئًا بالنقائص، ويود لو حصل على حب الناس وتقديرهم، ويرى أن نقائصه وأخطاءه لا تستحق منهم إلا الامتعاض والاحتقار، يعاني الشعور بالإحباط والحرج مما يولّد فيه عواطف ومشاعر بها من الحقد والظلم والإجرام ما لا يمكن تخيله، إذ أنه يشعر بكراهية قاتلة إزاء تلك الحقيقة التي اكتشفها، والتي تخبره بأنه هو الملوم، والتي لا تفتأ تذكره بنقائصه.