مرجريت ميد تتحدى كل مانعتقده اليوم حول الفرق بين الرجل والمرأة

Margaret_Mead_NYWTS

مرجريت ميد عالمة اجتماع أمريكية وانثروبولوجية حازت على شهرة واسعة النطاق في القرن الماضي بسبب دراساتها المتعمقة وإسهاماتها العديدة. في أحد أهم أعمالها “الجنس والمزاج في ثلاث مجتمعات بدائية (1935)” تتحدى مارجريت معتقداتنا الراسخة حول الأدوار الاجتماعية للتصنيفات الجنوسية : ذكر وأنثى. حيث تستعرض ثلاث قبائل بدائية تتغير فيها هذه الانطباعات بشكل مثير للتأمل حقا يعيدنا إلى سؤال أساسي: هل الذكورة والأنوثة صفات مكتسبة أكثر من كونها تصنيفات بيولوجية ؟ وهل يوجد “طبيعة بشرية” ؟ ليس غريباً ان هذا العمل كان أحد أهم الأركان التي قامت عليها الحركة النسوية في أواسط القرن الماضي كما سيأتي بيان السبب في ثنايا العرض.

نقتبس في هذه التدوينة من كافين رايلي في كتابه “الغرب والعالم : تاريخ الحضارة من خلال موضوعات [تحميل]” -الذي تحدثنا عنه عدة مرات– حيث يتحدث عن إسهاماتها في دراسة هذه القبائل الثلاث.

-1-

أخذت الباحثة مرجريت ميد Margaret Mead هذا الموضوع على عاتقها في الثلاثينات، فذهبت إلى غينيا الجديدة وعاشرت ثلاث جماعات بدائية. أول مجتمع حلت به يطلق عليه اسم الأرابيش Arapesh حيث لايوجد لدى هذه القبيلة تلك الاختلافات بين شخصيتي الرجل والمرأة بل أظهر الرجال والنساء على حد سواء صفات الأنوثة والأمومة. فغاية الحياة في نظر الرجال والنساء على السواء هي في الحمل وتربية الأولاد. والفعل في لغة الأرابيش الذي يعني “يحمل طفلا” قد ينصرف للأب أو الأم. وهم يعتقدون أن الرجل يعاني من آلام المخاض كالمرأة سواء بسواء. وإذا كان الولد يخلق من نطفة الرجل وعلقة المرأة فإن “نسمة الحياة” تأتي من أحد الوالدين. وما إن يولد الطفل حتى يشارك الأب في جميع واجبات رعاية الوليد. بل إنه ليضطجع بجوار زوجته ويضع رأسه على وسادة خشبية حرصا على تسريحة شعره التي بذل فيها وقتاً طويلا. ويقول عنه بنو عشيرته إنه “في فراشه في حالة وضع”… وإذا علق أحدهم على رجل في منتصف العمر ووصفه بأنه وسيم، تجد الناس- اعترافا منهم بهذه الرعاية، فضلا عن اعترافهم بدور الرجل منذ البداية- يقولون “وسيم؟ نعم! ولكن ليتك رأيته قبل أن ينجب كل هؤلاء الأطفال”.

إن رجال الأرابيش من وجهة نظرنا أشد أنوثة حتى من نسائهم. فالرجال كما ألمعنا من قبل هم الذين يتزينون ويلبسون الأزياء الخاصة في المناسبات ويرقصون. والرجال وحدهم هم المشهود لهم بالكفاية في الرسم بالألوان. فرجال الأرابيش يعدون أكثر إحساسا بالفن من نسائهم.

-2-

أما القبيلة الثانية التي زارتها فهي قبيلة مندوجومور Mundugumor وتقع على بعد أقل من مئة ميل ولكن في غور أحد الأنهار. وأهل هذه القرية يشبهون الأرابيش في شيء واحد وهو أنهم أيضاً يتوقعون التماثل بين شخصيتي الرجل والمرأة ولكن توقعاتهم على النقيض من توقعات الأرابيش “وجدنا أفراد المندوجومور، رجالا ونساء، ينشؤون على القسوة والعداوات والايجابية الجنسية. وتنطوي شخصياتهم على الحد الأدنى من جوانب الأمومة المحبة. ورجالهم ونساؤهم أدنى إلى نمط الشخصية الذي لا نجده في ثقافتنا إلا في شخصية الرجل الفوضوي الذي يتسم بالشراسة البالغة.. فالمثل الأعلى عند قبيلة مندوجومور هو الرجل العدواني العنيف الذ ييتزوج من المرأة العدوانية العنيفة.”

ويتضايق رجال قبيلة مندوجومور ونساؤها على السواء من تربية الأطفال وينتابهم الملل منها. وهم يعاملونهم معاملة سيئة أو بدون اكتراث وهم صغار، ويعاملونهم كمافسين لهم في الأمور الجنسية أو كموضوع للإشباع وهم كبار.

-3-

ولنا أن نتصور دهشة مرجريت ميد وسرورها عندما وصلت إلى القبيلة الثالثة التي اختيرت أيضا كيفما اتفق وتقع بالقرب من بحيرة بين الأرابيش والمندوجومور. فهنا أخيرا نجد قبيلة تصر – كما نفعل نحن- على أن الرجال والنساء لهم شخصيات مختلفة بل ومتعارضة. هذه القبيلة واسمها تشامبولي Tchambuli تتوقع مثلنا أن يكون الرجال رجالاً والنساء نساء دون أية ظلال رمادية مزعجة غير محددة المعالم. لك ان تتصور دهشتها إذن حين اكتشفت أن رجال قبيلة تشامبولي هم نماذج حية من الأنوثة الأمريكية وأن النسا يتعلمن جميعا أن ينشأن على غرار ما نسميها “الذكورة”.

“في القبيلة الثالثة قبيلة تشامبولي، وقعنا على عكس المواقف السائدة في حضارتنا تجاه الجنس، فالمرأة هي الطرف السائد المتجرد عن العاطفة وهي الآمرة الناهية، أما الرجل فهو أقل إحساساً بالمسؤولية، الذي يعتمد على غيره من الناحية العاطفية”.

فنساء تشامبولي يقمن بصيد السمك وجمع الطعام في حين يرتب الرجال خصل شعرهم ويحملون أقنعتهم أو يتدربون على نفخ الناي. أما الفنون-الرقص والحفر والتصوير- فهي غير هامة بالنسبة للنساء، ولكنها أهم أوجه النشاط المتاحة للرجال. وهكذا يتدرب رجال تشامبولي على السير الهويني ويحاولون اكتساب الرقة المتوترة الساحرة للممثلات. فمعظم حياتهم يقضونها كأنها دور مسرحي يمثلونه بشكل واع على خشبة المسرح. على أمل أن تستمتع النساء بهذا الدور. وعلى حين أن نساء التشامبولي يعملن سويا في جو يسوده الشعور بالمودة والإحساس الزائد بالأنس، فإن العلاقات التي تسود بين الرجال هي دائماً مشوبة بالتوتر والترقب، وملاحظاتهم تتسم عادة بالخبث. وتصنع نساء التشامبولي ثروة القبيلة بنسج وبيع شباك لصيد البعوض. اما الرجال لم يقومون بالتسوق وهم في أبهى الرياش ومحارات للزينة، يساومون في سعر كل سلعة يشترونها، ومنهم يشعرون دائما أنهم إنما ينفقون من ثروة المرأة:

” إن الأملاك الحقيقية التي يقتنيها المرء بالفعل تأتيه من المرأة في مقابل نظرات حالمة وكلمات رقيقة… أما موقف النساء تجاه الرجال فيتسم بالتسامح والتقدير. إنهن يستمتعن بالألعاب التي يلعبها الرجال، كما يستمتعن بصفة خاصة بالحركات المسرحية التي يقوم بها الرجال من أجلهن”.

ويتوقف المجتمع من النساء أن يأخذن بزمام المبادرة في النشاط الجنسي. بينما يترقب الرجال مبادرات النساء في استحياء حينا، وفي خجل وخوف حينا آخر وإذا لم تبادر الأرملة باتخاذ خليل آخر، دهش القوم لتعففها الزائد. “إنما يتساءلون: هل النساء مخلوقات سلبيات باردة جنسيا يتوقع منهن أن يصبرن على دلال (الرجال) وتلكئهم ؟” والجواب الضمني في قبيلة تشامبولي هو “كلا، إذا كن سويات”.

وما هي النتيجة التي قد يمكن أن نتوصل إليها من هذا العرض المثير ؟ وماهي الآفاق التساؤلية التي يجب أن تفتحها؟ يكمل المؤلف قائلا

وقد لاتكون معتقدات هذه القبائل الثلاثة وسلوكها نموذجا لمعظم الشعوب البدائية، ولكن فيها من التنوع مايوحي بأن السوي أو ما يقال له “الطبيعي” لا وجود له البتة بالنسبة للرجال أو للنساء.

وهذه النتائج توضح لنا حقائق أقل ما تفعله هو أنها تحفزنا للمزيد من البحث والتقصي حول توقعاتنا المعاصرة عن صفات الذكورة والأنوثة ومدى ارتباطها بما يسمى ب (الطبيعة البشرية). حيث عبر عالم الآثار جوردون تشايلد V. Gordon Childe عن فكرة عدم وجود طبيعة بشرية سوى تلك الطبائع التي صيغت تدريجياً داخل التاريخ الإنساني، فالتاريخ في نظره هو سرد للطريقة التي يصوغ الرجال والنساء بها أنفسهم، مرة بعد مرة.