سمتان للهوية عند تودوروف

Tzvetan_Todorov-Strasbourg_2011_(3)

تزفيتان تودوروف ، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة). في هذا القبَس من كتابه (الخوف من البرابرة) ترمز كلمة البربري إلى كل ما هو أجنبي ومتغير عن ثقافة ما، لا بمعنى متوحش. ويشير تودوروف إلى تصادم الذات الفردية والجماعية أمام التغيرات والتبدلات الحاصلة لها ببيان رشيق. فلا شك أن الفرد يولد في بيئة ما ذات معالم ثقافية معينة دون اختيار منه كما يبدأ هذا الفصل في الكتاب و يقرر تودوروف أنه لا توجد ثقافة خالصة أو مختلطة فكل الثقافات مركبة هجينة أو مهجنة بما فيها الهوِّيات الفردية والجماعية كممثل للثقافة من جراء التواصلات الإنسانية بين البشر. ثم ينعرج بتحديد سمتين أساسيتين للثقافة حتى تحافظ على وجودها  هما التعدد والتبدّل :

إذا أبقينا هاتين السمتين للثقافة – أي تعدديتها وتبدليتها – حاضرتين في ذهننا ، نرى كم هي مضللة الإستعارات التي غالباً ما نستعملها للدلالة عليها. كأن نقول عن كائن بشري بأنه “مقتلعٌ من جذوره “ ونرثي لحاله : إلا أن تشبيه البشر بالنباتات هو أمر غير مشروع لأن الإنسان ليس أبداً نتاج ثقافة واحدة ، هذا بالإضافة إلى أن العالم الحيواني يتمايز عن العالم النباتي تحديداً بحركته . ليس للثقافات جوهر ولا “روح “ بالرغم من الصفحات الجميلة التي كُتبت في هذا الخصوص . نتكلم أيضاً عن “بقاء” ثقافة (فنؤنسن هذه المرة التمثُّلات بدل أن ننزع الصفة البشرية عن الإنسان) ، ونعني بذلك استمرارها على ما هي عليه . والحال تلك ، إن الثقافة التي لا تتغير أبداً هي بالتحديد ثقافة ميتة. وعبارة “ لغة ميتة “ تقع في مكانها الصحيح: لقد ماتت اللغة اللاتينية في اليوم الذي لم تعد تستطيع فيه أن تتغير . وما من شيء طبيعي أكثر ، ولا اعتيادي أكثر من أن تزول حالة سابقة لثقافة وتحل محلها حالة جديدة .

ثم يذهب في تبيين وقوف الذات الجماعية أمام التغيرات:

إلا أنه ولأسباب يسهل فهمها ، يصعب على أعضاء المجموعة أن يتقبلوا هذه البديهية . والفرق بين الهوية الفردية والهوية الجماعية يكشف لنا الكثير في هذا المجال . فحتى لو حلمنا يوماً بأن نكتشف في ذواتنا أنا “ عميقة “ و “ أصيلة “ – كما لو كانت تنظرنا بصبرٍ قابعة في مكان ما في داخلنا – ، فإننا نعي التغيرات التي تفرض على كياننا سواء رغبنا بها أم لا ، ونحن ننظر إليها على أنها طبيعية. إن كلَّ واحد منا يذكر الأحداث البارزة في ماضيه ، كما يمكننا اتخاذ قرارات تحول في مسار هويتنا من خلال تبديل العمل أو الرفيق أو البلاد . إن الشخص ليس إلا حصيلة التفاعلات العديدة التي تواكب حياته .

لكن الأمر يختلف فيما يخص الهوية الجماعية ، ذاك أنها تكون مكتملة حين يكتشفها الفرد ، وهي تصبح الأساس غير المرئي الذي يبني عليه هويته. وحتى لو كانت أية ثقافة ننظر إليها من الخارج تبدو مختلطة ومتبدلة ، فإنها بالنسبة لأعضاء المجموعة التي ينتمون إليها كيان ثابت ومتميز ، وهو مرتكز هويتهم الجماعية . لهذا السبب فإن أي تغيير يطال الثقافة أشعر به وكأنه مس بكياني . وليس أدلَّ على ذلك سوى المقارنة بين البساطة التي أتقبل بها فكرة التكلم بلغة جديدة ، إذا كان ذلك بمستطاعي ، أثناء زيارتي لبلد أجنبي ( حدث فردي ) والإزعاج الذي أحس به حين لا يعود يُسمع في الشارع الذي عشت فيه على الدوام سوى كلمات ولهجات غير مفهومة ( حدث جماعي ) . إن ما نجده في الثقافة التي نشأنا فيها لا يصدم ألبتة ، بما أنها ساهمت في تكوين الشخص بالذات. في المقابل ، يُنظر إلى ما يتغير بحكم الظروف التي لا يستطيع المرء التحكم بها على أنه تراجع ، لأن ذلك يُضعف شعورنا بأننا موجودون. إن الزمن الحالي الذي ترى فيه الهويات الجماعية نفسها مدفوعة للتحول بسرعة أكبر ، هو أيضاً الزمن الذي تتبنى فيه الجماعات موقفاً دفاعياً يتنامى في كل يوم، من خلال المطالبة بضراوة عن حقها في الحفاظ على هويتها الأصيلة.