من نظرات المنفلوطي عن العام الجديد!

MustafaLutfial-Manfaluti

مصطفى لطفي المنفلوطي  أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، قام بالكثير من الترجمة لبعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية وصقلها في قالب أدبي.

 

يتحدث لطفي المنفلوطي في أحد مقالاته التي نشرها في كتابه النظرات عن العام الجديد، قائلاً:

علام يهنئ الناس بعضهم بعضاً؟ وماذا لقوا من الدنيا فحرضوا على البقاء فيها؟ ويغتبطوا المراحل التي يقطعونها منها؟ وهل يوجد بينهم شخص واحد يستطيع أن يزعم أنه أصبح سعيداً كما أمسى؟ أو أمسى سعيداً كما أصبح؟ أو أنه رأى بروق السعادة قد لمع في إحدى لياليه ولم ير بجانبه مايرى في الليلة البارقة من رعود قاصفة، وصواعق محرقة، وشهب متطايرة؟

بأية نعمة من النعم، أو صنيعة من الصنائع تمن يد الحياة على إنسان لا يفلت من ظلمة الرحم إلا إلى ظلمة العيش، ولا يفلت من ظلمة العيش إلا إلى ظلمة القبر، كأنما هو يونس، الذي التقمه الحوت فمشى في ظلمات بعضها فوق بعض! وأية يد من الأيادي أسدتها الأيام إلى رجل يظل فيها من مهده إلى لحده حائراً مضطرباً، يفتش عن ساعة راحة وسلام تهدأ فيها نفسه، ويثلج صدره، فلا يعرف لها مذهباً ولايجد لها سبيلاً، إن كان غنياً اجتمعت حوله القلوب الضاغنة، واصطلحت عليه الأيدي الناهبة، فإما قتلته وإما افقرته، وإن كان فقيراً عد الناس فقره ذنباً جنته يداه، فتتناوله الأكف بالصفع والأرجل بالركل والألسن بالقذف، حتى يموت الموتة الكبرى بعد أن مات الموتة الصغرى، وإن كان عالماً ولع الحاسدون بذمه وهجوه، وتفننوا في تشويه سمعته، وتسويد صحيفته ولا يزالون به حتى يعطيهم العهود والمواثيق التي يرضونها أن يعيش عالماً كجاهل يدركه الموت، وإن كان جاهلاً اتخذه العالمون مطية يركبونها إلى مقاصدهم وأغراضهم من حيث لا يهادنونها ولا يرفقون بها حتى يعقروها. وإن كان بخيلاً ازدرته القلوب واقتحمته العيون وتقلصت له الشفاه، وبرزت له الأنياب، حتى تحرقه، وإن كان كريماً محسناً عاش مترقباً في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره شر الذين أحسن إليهم إما لأنه أذاقهم جرعة باردة فاستعذبوها فاستزادوه فلم يفعل، فهم ينتقمون منه، أو لأنهم من أصحاب النفوس الشريرة الذين يخيل إليهم أن المحسن يريد أن يبتاع منهم نفسه بما يسدي، وهم يأبون إلا أن يتناولوا من الإحسان بلامقابل فهم ينقمون عليه إن عرف كيف يفلت من أيديهم.

لا سعادة في الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء على هذا المجتمع البشري، ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس، واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف، فعرف كل ذي حق حقه، وقنع كل بما في يده عما في يد غيره، فلا يحسد فقير غنياً، ولا عاجز قادراً، ولا محدود محدوداً، ولا جاهل عالماً، وأشعرت القلوب الرحمة والحنان على البائسين والمنكوبين فلا يهلك جائع بين الطاعمين ولا عار بين الكاسين، وامتلأت النفوس عزة وشرفاً، فلا يبقى شيء من تلك الحبائل المنصوبة لاغتيال أموال الناس باسم الدين مرة والإنسانية أخرى، ولا ترى طبيباً يدعي علم مالم يعلم ليسلب المريض روحه وماله، ولا محامياً يخدع موكله عن قضيته ليسلب منه فوق ماسلب منه خصمه، ولا تاجراً يشتري بعشرة ويبيع بمائة، ثم ينكر بعد ذلك أنه لص خبيث، وكاتباً يضرب الناس بعضهم ببعض حتى تسيل دماؤهم فيمتصها كما يضرب القادح الزند ليظفر بالشرر المتطاير منهما.

ومادامت هذه المطالب أحلاماً كاذبة وأماني باطلة، فلامطمع في سلام ولا أمان، ولا أمل في سعادة ولاهناءة، ولا فرق بين أمس الدهر ويومه ولا بين يومه وغده، ولافرق بين مغفلات أيامه غير ماعرفت وماذاق أحد من نغماته غير ماذقت، وليفرح بالعام الجديد من حمد ما مضى من أيامه وسالف أعوامه.