من هو “الأمير” عند ماكيافيللي ؟

ميكافيلي

نيكولو ماكيافيلّي (1469 – 1527) ولد وتوفي في فلورنسا، كان مفكرا وفيلسوفًا سياسيًا إيطاليًا إبان عصر النهضة. أصبح مكيافيلي الشخصية الرئيسية والمؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبحت فيما بعد عصب دراسات العلم السياسي. كما تُنسب إليه مقوله أن الغاية تبرر الوسيلة. أشهر كتبه على الإطلاق (الأمير)، والذي كان عملاً هدف مكيافيلي منه أن يكتب تعليمات للحُكام، نُشرَ الكتاب بعد موته بخمس سنوات، وأيد فيه فكرة أن ماهو مفيد فهو ضروري، والتي كان عبارة عن صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية. كما ألّف أكثر من كتاب، مثل (المحادثات)، (فن الحرب)، (تاريخ فلورنسا)، وكل هذه الكتب كانت عن السياسة القديمة والمعاصرة. ولقد فُصلت نظريات مكيافيلي في القرن العشرين.

لإعطاء نبذة عن كتاب الأمير ، سنتقطف هذا الجزء من كتاب (ولاة وأولياء) لمؤلفه (محمد حلمى عبد الوهاب).

يعد كتاب (الأمير) لـ(ماكيافيللي) بمثابة ثورة فى مجال علم السياسة، وبالأخص علاقة هذا العلم بكل من الدين والأخلاق، حيث قرر فيه أن الحاكم ينبغى أن يتجاوز معانى الخير والشر، ويتوجه نحو بناء الدولة القوية، مستخدماً فى سبيل ذلك الوسائل كافة بغض النظر عن أحكامنا الأخلاقية عليها، فالسياسي لا يحتاج الفضائل، “ولكنه” يحتاج إلى القوة المعنوية التي يجب أن يتحلى بها شعبه أيضاً (….) فالسياسة ليست ما تمليه الأخلاق، ولكنها الدروس المستفادة من التاريخ وتنظير الماضي
إنها وبكلمة واحدة (فن الممكن)، وعليه ينبغى للسياسى أن يستخدم الوسائل المتاحة كافة وغير المتاحة، أخلاقية كانت أم غير أخلاقية، فالغاية تبرر الوسيلة، للوصول إلى هدفه، وأن يكون معيار العمل السياسى مقدار ما يحققه للدولة من مكاسب ومصالح .
و يمكن إيجاز فلسفته السياسية فى النقاط التالية :
• السياسة هى ممارسة الممكن وليس ما يجب أن يكون .
• تهدف السياسة بالأساس إلى الإستحواذ على السلطة والبقاء والاستمرار من خلالها، فهى الطرق والوسائل والآليات المستخدمة للإبقاء على السيطرة .
• إن سيطرة الممارسة تتجه بدورها إلى إخضاع الكل الاجتماعى (بما فيه الدينى والأخلاقي) .
• السياة ممارسة واقعية تبحث فى الواقع، ولأجل الواقع، عما يمكّن السلطة من الاستمرارية، فأي محاولة لإخضاع السلطة إلى اليوتوبيا (المثالية) تؤدى إلى فقدانها .

و فى مقتطف من الفصل الثامن عشر – أكثر الفصول إدانة و إحتقاراً من النقاد – يحدد (ماكيافيللى) طريقة النضال للأمير :

هناك طريقتان للنضال. أحداهما بحسب القوانين والأخرى باستخدام القوة، الأولى مناسبة للبشر والثانية للوحوش. و لكن بما أن الطريقة الأولى كثيراً ما تكون غير فعالة،  فيقتضى الأمر الإلتجاء إلى الثانية. وعلى الأمير أن يفهم جيداً كيف يستعمل كلتا الطريقتين: طريقة البشر وطريقة الوحوش .. ولكن بما أنه يجب عليه أيضاً أن يعرف كيف يستخدم طريقة الوحوش فى حكمه، ينبغى له ألا يختار من بين الوحوش الأسد و الثعلب، فالأسد لا يستطيع أن يحمى نفسه من الشراك، و الثعلب لا يمكنه حماية نفسه من الذئاب .. وأن أكثر الأمراء حزماً، لا يمكنه ولا ينبغى له أن يحافظ على كلامه، عندما يكون فى المحافظة عليه ضرر له عندما تزول الأسباب التى ألجأته إلى الوعد. ليست هذه مشورة طيبة عندما يكون جميع الناس من الأخيار .

و لكن بما أنهم خائنون ولا يثقون بك ، وجب عليك أنت بدورك ألا تثق بهم. وما من أمير حار فى التفكير فى أعذار مقبولة لتغطية عدم التمسك بوعده .. غير أن الناس يظلون ساذجين و محكومين بإحتياجاتهم الحالية، حتى أن من يرغب فى خداعهم لا يخفق فى العثور على (مغفلين) راغبين .. وهكذا من الخير التظاهر بالرحمة والثقة والإنسانية والتقوى والاستقامة ، وتكون هكذا أيضاً، ولكن يجب أن يبقى العقل متزناً حتى إذا اقتضى الأمر صار فى مقدورك وتعرف كيف تتحول إلى العكس بسرعة .. يرى كل شخص ما تظهر عليه، ويعرف القليلون ما أنت عليه

و فى فقرة شهيرة من كتابه يقول (ميكافيلي) :

 و من هنا ينشأ هذا السؤال : هل الأفضل أن يحب المرء أفضل مما يخاف ، أو يخاف أفضل مما يحب؟ قد تكون الإجابة أننا نرغب فى كليهما، و لكن بما أن الحب والخوف قلما يجتمعان معاً، فماذا وجب علينا أن نختار بينهما؟
من الأكثر أمناً أن نخاف أكثر مما نحب. إذا نؤكد عموماً أن الناس ناكرون للجميل ومتقلبون وخائنون ويعملون كل ما فى طاقتهم لتجنب الخطر، وجشعون يتكالبون على الربح، يقفون إلى جانبك طالما كان فى وسعك أن تغدق عليهم المنافع، و على استعداد للتضحية بدمائهم إذا كان الخطر بعيداً كما يضحون بممتلكاتهم وحياتهم وأولادهم .. حتى إذا جاء وقت الجد أداروا لك ظهورهم !!