من يحكم العالم اليوم ؟ الإجابة عند برتراند راسل

bertrand-russell_03_766

برتراند راسل – الفيلسوف والرياضي والناقد الاجتماعي البريطاني- كتب قبل أكثر من ثمانين عاماً جواباً على سؤال طالما خطر على بال الكثيرين، وهو : من يحكم العالم اليوم ؟ وبالطبع لم يكونوا غير الأغبياء عند برتراند راسل. فبماذا كان سيصفهم لو عاش حتى اليوم ؟

كان هناك أربعة أنواع من العصور في تاريخ العالم. كان هناك عصور ظن فيها كل شخص أنه يعرف كل شيء، وعصور لم يعتقد فيها أحد أنه يعرف أي شيء، وعصور ظن فيها الأذكياء أنهم يعرفون كثيرًا والأغبياء ظنوا أنهم يعرفون قليلًا، وعصور ظن فيها الأغبياء أنهم يعرفون كثيرًا والأذكياء ظنوا أنهم يعرفون قليلًا. النوع الأول من العصور هو النوع الذي يسبب الاستقرار، والثاني هو النوع الذي يسبب الاضمحلال البطيء، والثالث هو النوع الذي يسببالتقدم، والرابع هو النوع الذي يسبب الكارثة. كل العصور البدائية تنتمي إلى النوع الأول: لم يشك أحد أبدًا في دين القبيلة، أو في حكمة الأعراف القديمة، أو في السحر الذي يؤمن المحاصيل الجيدة؛ وبالتالي كان الجميع سعداء ما دام لا يوجد هناك سبب لعدم السعادة، مثل المجاعات.

النوع الثاني يمكن إعطاء مثال عليه بالعالم القديم قبل بزوغ المسيحية ولكن بعد الانحلال. في الامبراطورية الرومانية، الأديان القبلية فقدت خصوصيتها وقوتها: عندما بدأ الناس يظنون أنه ربما يكون هناك بعض الحقيقة في أديان الآخرين، بدأوا أيضًا يظنون أنه ربما يكون هناك بعض الزيف في أديانهم. استحضار الأرواح الشرقي كان نصف مصدقًا ونصف مكذبًا؛ البرابرة الألمان كان يفترض أن لديهم فضائل فقدها الجزء الأكثر تحضرًا من البشرية. وبالتالي شك الجميع في كل شيء، والشك شل محاولات السعي.

في القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، حدث العكس بالضبط. العلم والطريقة العلمية كانا جديدين، وأعطيا ثقة عظيمة بالنفس لهؤلاء الذين فهموهما. انتصاراتها كانت جلية ومذهلة. عندما قرر إمبراطور الصين أن يضطهد اليسوعيين، حدث أنهم كانوا على حق في مسألة تحديد يوم كسوف الشمس المتوقع بينما فلكيو الإمبراطورية كانوا مخطئين، فقرر الامبراطور أن هؤلاء الرجال الأذكياء، بعد كل شيء، يستحقون فضله. في انجلترا، هؤلاء الذين استخدموا الطريقة العلمية في الزراعة حصلوا على محصولات أكبر من هؤلاء الذين التزموا بالوسائل القديمة، بينما في الصناعات، الميكنة والعمل الجماعي أزاحا المتمسكين بالطرق القديمة. من ثم جاء إيمان عامبالذكاء المتعلم. هؤلاء الذين لا يملكون الذكاء المتعلم سمحوا لأنفسهم بأن يتم إرشادهم بواسطة الذين يملكونه، ونتج عصر التقدم السريع.

في عصرنا، العكس تمامًا هو الصحيح. رجال العلم مثل إيدنجتون يشكون إذا كان العلم حقًا يعرف أي شيء. الاقتصاديون يدركون أن الطرق المقبولة لإنجاز أعمال العالم هي جعل الجميع فقراء. رجال السياسة لا يستطيعون أن يجدون أي طريقة لتأمين تعاون دولي أو لمنع الحروب. الفلاسفة ليس لديهم إرشادات ليقدموها للبشرية. الوحيدون الذين تبقى لديهم آراء إيجابية هم هؤلاء الأغبياء جدًا الذين لا يعرفون متى تكون آرائهم سخيفة. وبالتالي الحمقى يحكمون العالم، والذكاء لا حساب له في مجالس الأمم.

هذه الظروف، لو استمرت، فسوف تُغرق العالم أكثر وأكثر في المحن. التشكك لدى الأذكياء هو سبب عجزهم، وهو أيضًا نتيجة لكسلهم: لا شيء ذو قيمة لتفعله، وهذا يعطيهم العذر ليبقوا في مكانهم. ولكن عندما تكون الكارثة وشيكة، فلن يكون هناك عذر مقبول ليبقوا في أماكنهم. الذكاء سوف يقضي على تشككهم، وإلا فسوف يشاركون في تحمل المسئولية في الشرور التي نأسى لها جميعًا. وسوف يتخلون عن تذمرهم الأكاديمي وتحذلقهم الشديد، لا شيء سيقولونه سيكون ذو فائدة إلا إذا تعلموا أن يتكلموا لغة تقدرها الديمقراطية.

المصدر