ميلان كونديرا، وتعدد معاني كلمة “التاريخ”

1milan_kundera1

ميلان كونديرا – روائي وفيلسوف تشيكي. لديه العديد من الروايات العالمية الشهيرة، أبرزها (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه النقدي (الستارة) عن تعدد معاني كلمة “التاريخ“، فيقول مستفتحًا:

في هاتين العبارتين: “تاريخ ألمانيا”، “تاريخ فرنسا”، يختلف المُضاف إليه بينما يحتفظ مفهوم التاريخ بالمعنى ذاته. وفي عبارات “تاريخ الإنسانية”، “تاريخ التقنية”، “تاريخ العلم”، “تاريخ هذا الفن أو ذاك” ليس المُضاف إليه هو المختلف فقط، بل حتى كلمة “تاريخ” تعني كل مرة شيئًا مختلفًا.

ثم يضرب مثلًا ، لأجل توضيح الفارق في كلمة “تاريخ“:

يكتشف الطبيب (أ) طريقة عبقرية لعلاج أحد الأمراض، لكن الطبيب (ب) يضع بعد عشر سنوات طريقة أخرى أكثر فعالية بحيث تُهمَل الطريقة السابقة، رغم أنها عبقرية، وتُنسى. تاريخ العلم له طابع التقدم.

أما إذا طبّقنا مفهوم التاريخ على الفن، لن تعود له صلة بالتقدم؛ فهو لا يتضمن إتقانًا وتحسينًا وارتقاءً؛ يشبه الإقدام على رحلة لاكتشاف أراضٍ مجهولة وتدوينها على خريطة. ليس طموح الروائي أن يكتب أفضل من سابقيه وحسب، بل وأن يرى ما لم يروه، أن يقول ما لم يقولوه. لم تقلل شعرية (فلوبير) من شأن شعرية (بلزاك) كما أن اكتشاف القطب الشمالي لم يُلغِ اكتشاف أمريكا.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

لا يتعلق تاريخ التقنية بالإنسان وحريته؛ ولا يمكنه أن يختلف عمّا كانه ولا عمّا سيكونه، بخضوعه لمنطقه الخاص؛ وبهذا المعنى هو غير إنساني؛ لو أن (أديسون) لم يخترع المصباح، لكان آخرَ اخترعه، لكن لو لم تخطر ببال (لورانس ستيرن) الفكرة المجنونة لكتابة رواية دون أية “قصة”، لما حلّ أحد مكانه ولما صار تاريخ الرواية على النحو الذي نعرفه.

“تاريخ الأدب، على العكس من التاريخ فقط، يجب ألا يتضمن إلا أسماء الانتصارات، ما دامت الهزائم فيه ليست انتصارًا لأحد”. تلخّص هذه الجملة الألمعية لـ(جوليان غراك) كل النتائج حيث إن تاريخ الأدب، “على العكس من التاريخ فقط”، ليس تاريخ أحداث، وإنما تاريخ قيم. فلولا (واترلو) لكان تاريخ فرنسا غير مفهوم، لكن كُتّاب (واترلو) الصغار وحتى الكبار لا مكان لهم إلا في النسيان.

التاريخ “فقط”، تاريخ الإنسانية، هو تاريخ أحداث لم تعُد موجودة ولا تُسهم بشكل مباشر في حياتنا. أما تاريخ الفن، لأنه تاريخ القيم، أي تاريخ الوقائع الضرورية لنا، فهو حاضر دائمًا، معنا دومًا؛ ويصغي إلى (مونتيفيردي)، و(سترافينسكي)، في الحفلة الموسيقية ذاتها.

ويختتم مقالته بعد ذلك:

وما دامت قيم الأعمال الفنية معنا دومًا، فإنها تثير الشك باستمرار، تُمنع، تُحاكم، وتعاد محاكمتها، لكن كيف تُحاكم؟ ليس هناك في مجال الفن معايير دقيقة لأجل ذلك. كل حكم جمالي هو رهانٌ شخصي؛ لكن رهانًا لا ينغلق على ذاتيته التي تواجه أحكامًا أخرى، يميل إلى أن يُعرف، ويصبو إلى الموضوعية. في الوعي الجمعي، تاريخ الرواية بكل زمانه الممتد من (رابليه) حتى أيامنا هذه، يوجد هكذا في تحوُّل مستمر يشارك فيه الذكاء والغباء، الكفاءة وعدم الكفاءة، وفوق ذلك النسيان الذي لا يفتأ يوسع مقبرته الفسيحة التي ترقد فيها، إلى جانب اللاقيم، قيم منتَقَصٌ من قدرا، مستخفٌ بها أو منسية. وهذا الظلم المحتوم يجعل تاريخ الفن إنسانيًا بعمق.