ميلان كونديرا والولع بالكتابة

milan-kondera

ميلان كونديرا – روائي وفيلسوف تشيكي لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل “كائن لا تحتمل خفته“- يتحدث في كتابه “كتاب الضحك والنسيان” عن الولع بالكتابة حيث يقول:

منذ زمن ليس بالبعيد، عبرت باريس على متن سيارة أجرة كان سائقها ثرثارًا. لم يكن يستطيع النوم ليلًا، لأنه يعاني من سهاد مزمن أصيب به أيام الحرب. كان بحارًا، غرقت سفينته، فسبح ثلاثة أيام وثلاث ليال إلى أن انتُشِل. قضى شهورًا عديدة بين الحياة والموت شفي بعدها، لكنه أصيب بالسهاد.

قال باسمًا : خلّفت ورائي الثلث من حياتي، وهو الذي أكبرك به.

سألته : وماذا عساك تفعل بهذا الثلث الزائد ؟

أجابني : أكتب.

فوددت أن أعرف ماذا يكتب. كان يكتب حياته. حكاية رجل سبح لمدة ثلاثة أيام في البحر، وصارع الموت، وفقد النوم، لكنه حافظ على رغبته في الحياة.

– أتكتب ذلك لأولادك ؟ يوميات للعائلة ؟

ابتسم بمرارة وقال : لأولادي ؟ هذا لا يهمهم. هو مجرد كتاب أكتبه هكذا. أعتقد أنه قد يساعد كثير من الناس.

هذه المحادثة مع سائق سيارة الأجرة جعلتني أكتشف فجأة جوهر النشاط الذي يمارسه الكاتب. نحن نؤلف الكتب لأن أبناءنا لا يهتمون بنا. نخاطب عالمًا مجهولًا  لأن زوجاتنا تغلقن آذانهن عندما نكلمهن.

ستعترضون عليّ بأن سائق الأجرة مهووس بالكتابة عن نفسه وليس بكاتب. لذا يجدر الشروع يتدقيق المفاهيم. فالمرأة التي تكتب لعشيقها أربع رسائل في اليوم ليست مولعة بالكتابة، إنها بالأحرى ولهانة. أما صديقي الذي ينسخ رسائله الأنيقة بغرض نشرها ذات يوم، فمهووس بالكتابة. ذلك أن هوس الكتابة Graphomanie ليس هو الرغبة في كتابة الرسائل أو اليوميات أو مذكرات الأسرة (أي الكتابة للنفس وللأقربين)، بل هو تأليف الكتب (أي الكتابة لجمهور مجهول). بهذا المعنى يكون ولع سائق الأجرة هو نفسه ولع (غوته). وما يميّز واحدهما عن الآخر ليس اختلاف الولع، بل النتيجة المختلفة لهذا الولع.

فالولع بالكتابة (عادة تأليف الكتب) يصبح بالضرورة وباء حين تتحقق في المجتمع ثلاثة شروط أساسية :

١. مستوى عالٍ من الرفاهية العامة تسمح للناس بالتفرغ لنشاط غير ذي جدوى.

٢. درجة عالية من تفتت الحياة الاجتماعية، ومن ثمة درجة عالية من عزلة الأفراد.

٣. خلو الحياة الداخلية للأمة من التغيرات الكبرى (ومن هذا المنظور، يبدو لي ذا دلالة كون النسبة المئوية لعدد الكتّاب في فرنسا أعلى بواحد وعشرين مرة منه في إسرائيل. ).

غير أن النتيجة قد تنعكس على العلة من خلال صدمة مرتدة. فالعزلة العامة قد تولد الهوس بالكتابة، وهوس الكتابة المعمّم يدوره يقوّي العزلة ويفاقمها. ذلك أن اختراع الآلة الطابعة مكّن الناس قديمًا من أن يفهم بعضهم بعضًا. أما في عصر هوس الكتابة الكوني، فقد اكتسب تأليف الكتب معنىً مناقضًا : كل واحد يحيط نفسه بكلماته الخاصة كما لو كان يحتمي بجدار من المرايا لا ينفذ منه أي صوت من الخارج.