ميلان كونديرا وعوالم الروائيين

ميلان كونديرا

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. يكتب عن تصوره عن عوالم الروائيين في كتابه (كتاب الضحك والنسيان) والذي نُشر في 1978 فيقول:

عندما يكتب الإنسان الرواية يتحول إلى عالَم (ألا نتحدث عن عالَم بلزاك وعالم تشيكوف وعالم كافكا؟)، وما يميّز العالم هو فرادته. لذلك فإن وجود عالم آخر يهدد وجوده ذاته.

فقد يعيش اسكافيان بانسجام تام طالما أن دكاناهما لا يوجدان في الشارع نفسه. لكنهما ما إن يشرعا في تأليف كتاب عن الإسكافيين حتى يشعر كل منهما بالانزعاج من وجود الآخر، وبذلك سيتساءلان : هل يمكن أن يحيى الإسكافي إذا كان يحيى إسكافيون آخرون ؟

تشعر فتاة ما بأن نظرة واحدة من غريب تستطيع أن تدمر قيمة كراساتها الحميمة، في حين يعتقد (غوته) أن نظرة واحدة من بشري لا تسلط على أسطر نتاجه تضع وجود (غوته) ذاته موضع تساؤل. فالفرق بين الفتاة والكاتب هو نفسه الفرق بين الإنسان والكاتب.

فمن يؤلف الكتب يكون هو كل شيء (عالم فريد لنفسه وللآخرين جميعًا) أو لا شيء. وبما أن لا أحد بمقدوره أن يكون كل شيء، فإننا -نحن من نؤلف الكتب- لسنا لا شيء. نحن مهملون وحُسّاد وساخطون ونتمنى الموت للآخرين. وهذا أمر نتساوى فيه : بانكا وبيبي وأنا وغوته.

إن تنامي هوس الكتابة بين الساسة وسائقي سيارات الأجرة والنادلات والعاشقات والقتلة والسارقين والعاهرات والحكام والأطباء والمرضى يثبت لي أن كل إنسان، وبدون استثناء، يحمل في قرارة نفسه قدرة كامنة على الكتابة، بحيث يمكن أن ينزل كل إنسان إلى الشارع ويهتف : كلنا كُتاب.

فكل من يخشى فكرة الزوال من عالم لا يبالي بوجوده، الزوال دون أن يراه أو يسمعه أحد. ولهذا يسعى كل واحد إلى أن يتحول إلى عالم من الكلمات خاص به قبل فوات الآوان. وعندما يأتي يوم (وهو غير بعيد) يلفى فيه كل الناس أنفسهم كتّابًا، سنكون قد بلغنا زمن الصمم وانتفاء التفاهم الشاملين.