مي زيادة تكتب في الصداقة

مي زيادة

مي زيادة (1886 – 1941) أديبة وكاتبة فلسطينية لبنانية، أتقنت (مي) تسع لغات، وكتبت بعض الكتب والمقالات في بعض هذه اللغات. تعد (مي زيادة) من رموز الأدب العربي في العصر الحديث. في مقالة لها نُشرت في (مجلة الرسالة) بتاريخ ١١ فبراير ١٩٣٥، كتبت عن الصداقة [المصدر]، في رسالة مهداة إلى مهداة إلى الأستاذ (أحمد حسن الزيات)، وإلى الدكتور (طه حسين)، وإلى أصحابهما جميعًا، تقول:

قد تبدو هذه الكلمات غريرة للذين لا يرون في الصداقة إلا وسيلة نفعِيَّة تعود على كلٍّ من المرتبطين بها بفائدة محسوسة: كالظهور بمظهر العظمة، أو التمكن من دحر منافس، أو التعاون على الإساءة إلى شخص أو أشخاص، أو جني ثمرةٍ ملموسة وتحقيق غرضٍ مالي أو اجتماعي.

ونخطئ إن نحن نسبنا إلى أهل هذا العصر وحدهم الصداقة المغرضة؛ لأن تلك كانت شيمة الكثيرين في جميع العصور وعند جميع الأقوام، قد تكون في هذا العصر أكثر شيوعًا، وإنما نحن أشد شعورًا بها لأننا نعيش في وسطها، ويجبهنا وجهها الخادع أنَّى توجَّهْنا.

فإذا أنت طلبت من الصداقة شيئًا غير تلك الفوائد المتداولة؛ إذا طلبت العاطفة، والفائدة الأدبية المجردة، وتلك اللذة البريئة التي تجدها في محادثة الصديق بالكلام أو بالسكوت، وشعرت باحتياج مُلِحٍّ إلى ذلك كاحتياج الدم إلى النور وإلى الهواء — إذا أنت طلبت هذا من الصداقة، وعند الصديق، فما أنت في نظر تلك الفصيلة من الناس إلا من أهل الشذوذ والغباوة … على الأقل!

وعلى رغم كل ذلك فموضوع الصداقة من الموضوعات التي نُقبِل عليها في اهتمام ولهفة، لو جاز لي أن أشير إلى خُلُقٍ خاص فيَّ، قلت إني أشعر بشيء غير قليل من الأسف كلما انتهى إليَّ أن صديقين كريمين تجافيا بعد التصافي، وقد يكون أسفي ناجمًا عن نوع خاص من الأثرة لا أدركه تمام الإدراك؛ قد يكون ذلك أن انفصام عرى الصداقة بين الآخرين كأنما ينال من إيماني بالصداقة، ويزعزع من رجائي فيها.

***

أولى ذكرياتي في هذا الموضوع ترجع إلى قصة فرنسية، هي «أبرص بلدة آووستا» بقلم كزافييه دي ميستر، وأظنني قرأتها لأول مرة وأنا في سن العاشرة تقريبًا، فيها وَصَفَ ذلك الجنديُ الكاتبُ اجتماعَه برجل ابتُلِي بداء البرص المروِّع، فنبذه الناس من مجالسهم، وحايدوا الدنو من الدار التي عاش فيها وحده حبيسًا طوال الأعوام.

تطوِّح السبيل بالكاتب الغريب إلى تلك البلدة وتسوقه إلى الدار المخيفة، ويلِجُ باب الحديقة فيُبصِر الرجل الموبوء وهو لا يدري بحالته، وعندما يحذِّره الأبرص ويفضي إليه بمحنته لا يلوذ الكاتب بالفرار، وإنما يقترب منه ويجلس إليه مستفسرًا عن معيشته وأحواله، وعما يحسه في الابتعاد عن أولئك البشر الذين هو منهم، فيعترف الأبرص بأن آلامه الأدبية تفوق أوجاعه الجسدية، يعترف بعذابه في حزن هادئ يشبه الامتثال والرضا، يعترف بحاجته إلى الشعور بأن قلبًا يعطف عليه ويحنُّ إليه، بأن يدًا تصافح يده، بأن صدرًا يتلقاه ويحتضنه، حتى إنه لشدة حاجته تلك يحتضن أحيانًا جذوع الشجر ويضمها إليه ما استطاع، كأنها كائنات إنسانية، يعترف بشوقه إلى سماع صوت بشري، إلى تبادل السلام والحديث مع من يفكر تفكيره ويحس إحساسه، إلى جميع تلك الأمور التي عرف قيمتها لأنه حُرِم منها، والتي يتمتع بها الجميع جاهلين أنها منحة ومتعة لأنها عادية بينهم.

ويقول فيما يقول وكأنه يلخِّص جميع صنوف عذابه في هذه الكلمة:

لم يكن لي يومًا صديق.

والكاتب الذي عرف كيف يصغي إلى شكايته في هدوء ورباطة جأش، تهتاج تلك الكلمة شجونه وتحزُّ الشفقة في قلبه، فلا يتمالك من الهتاف:

يا لك من تعيس!

تلك الكلمة من الأبرص، ورد الجندي الكاتب عليها، استقرت في موضع عميق من روحي عند قراءة القصة، بل القصة كلها تجمعت عندي في تلك الكلمة وفي التعقيب عليها، وقد يكون لها الأثر الكبير في تكوين إيماني العنيد بأن لا بد من وجود الصداقة، مع اعتقادي بأن نفاسة الصداقة نفسها تحتم فيها الندرة.

***

لسنا في حاجة إلى دهور نعيشها لندرك كم في هذه الحياة البشرية من خبث ومراوغة ونفاق، اختبارات قليلة تكفي لتدلنا على أن بعض المُثُل العليا تخذلنا وتصرعنا بلا رحمة، ثم تنقلب مسوخًا ساخرة مزرية، لا تلبث أن تكشر عن أنيابها مهددة متوعدة، وهي التي تجلببت في نفوسنا من قبلُ جلباب القدسية والعبادة!

اختبارات قليلة في أحوال معينة، وأحوال مفاجئة، تكفي لتُظهِر لنا أن من الناس من يتاجر بكل عاطفة صالحة لتنفيذ أغراض غير صالحة، ومن يستغل كل استعداد كريم لنتيجة غير كريمة، ومن لا يكتفي بالظلم والإجحاف، بل لا يتورع عن إيذاء الذين أخلصوا النية في معاملته، ولم يَنَلْه منهم إلا الخير. وكم من مذيع أنباء الصداقة لا لسبب آخر سوى التوغل في الإيذاء باسم الصداقة، في أساليب سلبية أو إيجابية، لا يعلم إلا هو كم هي خبيثة وكم هي فعَّالة.

وكيف تُعامِلُ أولئك الناسَ عندما تكشف عمَّا يضمرون؟ أتحاسنهم؟ إنهم يحسبون المحاسنة ضعفًا ومداراة، فيمعنون في الأذى! أتخاشنهم؟ إنهم يزعمون المخاشنة جحودًا ومكابرة، فيمعنون في الأذى! ولعل الشاعر العربي كان في حالة كتلك عندما أرسل هذه الزفرة المنغومة التي هي من أبلغ ما أعرف في معناها:

يأسُ هذا الشاعر يدل على حاجته الصميمة إلى صداقة نقية غير مغرضة، فنحن مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، فإننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟

***

أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات، وهي نور الحياة وخمرتها، وكم تكنُّ من خير ثقافي وعلمي للنابهين!

لا تخافوا أن تكونوا من أهل الشذوذ والسذاجة في نظر المعرضين! ألا بئست نفسًا فقدت كل سذاجة، وسارت على وتيرة واحدة، لا تعيش إلا للغرض وبالغرض! وما أفقرها وإن كانت ثرية! وما ألصقها بالثرى وإن كانت علية! وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء!