نازك الملائكة، والشعر الحرّ في الثقافة العربية

3a-na-71192

نازك صادق الملائكة (1923 – 2007) شاعرة من العراق، ولدت في بغداد في بيئة ثقافية وتخرجت من دار المعلمين العالية عام 1944. دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، وفي عام 1959 حصلت على شهادة ماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن-ماديسون في أمريكا، وعينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت. عاشت في القاهرة منذ 1990 في عزلة اختيارية وتوفيت بها في 20 يونيو 2007 عن عمر يناهز 83 عاما.

في كتابها (قضايا الشعر العربي)، ذكرت في مقدمة الطبعة الخامسة، بأن الشعر الحرّ هو شعر موزون، وليس مجرد نثر كما يظن البعض. فتقول:

ما زال المتعصبون والمتزمّتون من أنصار الشطرين يدحرجون في طريق الشعر الحرّ صخورهم التي يظنونها ضخمة بحيث تقتل هذا الشعر وتزيحه من الوجود. مع أنها لا تزيد على أن تتدحرج من الجبل إلى الوادي ثم ترقد هناك دون أن تؤثر في مجرى نهر الشعر الحرّ الجارف الذي ينطلق يروي السهول الفسيحة وينتج أزهارًا وفاكهة ونخيلًا  وبساتين. وهؤلاء المتعصبون ما زالوا يرددون قولًا مضمونه أن الشعر الحرّ ولد غير شرعي فلا علاقة له بالشعر العربي.

ثم تستشهد بأبيات للشاعر الفلسطيني (محمود درويش)، يقول فيها:

وفوق سطوح الزوابع كل كلام جميل

وكل لقاء وداع

وما بيننا غير هذا اللقاء

وما بيننا غير هذا الوداع

وتعقب بعد ذلك:

ومع أن هذا الشعر حرّ طبيعيّ إلا من الممكن اعتباره شعر شطرين بمجرد تغيير شكل كتابته كما يلي:

وفوق سطوح الزوابع كلُّ .. كلام جميل وكل لقاء

وما بيننا غير هذا اللقاء .. وما بيننا غير هذا الوداع

وقد أسقَطتُ كلمة واحدة هي “وداع”، وهذا ما يجب أن يقنع اعتراضات المتزمتين. فإن الشعر الحر يمكن أن يعدَّ شعر شطرين اعتياديًا ما عدا أنه أوسع من أسلوب الشطرين وأرحب أفقًا. وليس معنى كلامنا هذا أننا نتخلى عن الشطرين ونرفضهما. فإن لهما مزايا وعيوبًا كما أن للشعر الحرّ مزايا وعيوبًا. وأنا حريصة عليهما معًا، محبة لهما كليهما، وكل ما أدعو إليه أن نقيم أسلوب الشعر الحرّ توأمًا جميلًا لأسلوب الشطرين فكلاهما طفل يلثغ بالأغاني الحلوة وليس لشاعر أن يرفض أيًا منهما.

وقد يقول البعض بأن هذا النوع من الشعر دخيلٌ على الثقافة العربية، وليس أصيلٌ فيها. ويراه آخرون وكأنه تأثر بالقصيدة الأعجمية ليس إلا. لكن (نازك) تورد في بداية كتابها قصيدة منسوبة إلى (ابن دريد) في القرن الرابع للهجرة، رغم أنها تشكك في صحة هذا النسب، لركاكة هذه الأبيات لغويًا برأيها:

ربّ أخ كنت به مغتبطًا

أشد كفّي بعرى صحبته

تمسكًا مني بالود ولا

أحسه يغير العهد ولا يحول عنه أبدًا

ما حل روحي وجسدي

فانقلب العهد به

فعدت أن أصلح ما أفسده

فاستصعب أن يأتي طوعًا متأنّيت أرجيه

فلما لج في الغي إباء

ومضى منهمكًا غسّلت إذ ذاك يدي منه

ولم آس على ما فات منه

وإذا لجّ بي الأمر الذي تطلبه فعد عنه

وتأتي غيره ولا تلج فيه فتلقى عنتًا و

جانب الغي وأهل الفند واصبر

على نائبة فاجأك الدهر بها

والصبر أحرى يذوي اللب وأربو بهمو

وقلَّ من صابر ما فاجأه الدهر به

إلا سيلقى فرجًا في يومه أو غده

كما أبياتًا أخرى، منسوبة إلى (أبي العلاء المعرّي):

أصلحك الله وأبقاك

لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم

إلى منزلنا الحالي

لكي نحدث عهدًا بك يا خير الأخلاء

فما مثلك من غيّر عهدًا أو غفل


ثم تتحدث عن بدايات هذا الشكل من الشعر في الثقافة العربية، فتقول:

أول قصيدة حرة الوزن تُنشر قصيدتي المعنونة “الكوليرا” […] نشرت هذه القصيدة في بيروت ووصلت نسخها بغداد في أول كانون الأول ١٩٤٧م. وفي النصف الثاني من الشهر نفسه صدر في بغداد ديوان (بدر شاكل السياب) (أزهار ذابلة) وفيه قصيدته حرة الوزن له من بحر الرمل عنوانها “هل كان حبًا” وقد علّق في الحاشية بأنها من “الشعر المختلف الأوزان والقوافي”. […] على أن ظهور هاتين القصيدتين لم يلفت نظر الجمهور، وكان تعليق مجلة (العروبة) على قصيدتي هو التعليق الوحيد على هذه النقلة في أسلوب الوزن. ومضت سنتان صامتتان لم تنشر خلالهما الصحف شعرًا حرًا على الإطلاق.

وفي صيف سنة ١٩٤٩م صدر ديواني (شظايا ورماد) وقد ضمنته مجموعة من القصائد الحرة، وقفت عندها في مقدمة الكتاب المسهبة وأشرت إلى وجه التجديد في ذلك الشعر، وبيّنت موضع اختلافه عن أسلوب الشطرين، ثم جئت بمثال من تنسيق التفعيلات، وعيّنت بعض البحور الخليلة التي تصلح لهذا الشعر.

وما كاد هذا الديوان يظهر حتى قامت له ضجة شديدة في صحف العراق، وأثيرت حوله مناقشات حامية في الأوساط الأدبية في بغداد. وكان كثير من المعلقين ساخطين ساخرين يتنبأون للدعوة كلها بالفشل الأكيد. غير أن استجابة الجمهور الكبير كانت تحدث في صمت وخفاء خلال ذلك، فما كادت الأشهر العصيبة الأولى من ثورة الصحف والأوساط تنصرم حتى بدأت تظهر قصائد حرة الوزن ينظمها شعراء يافعون في العراق ويبعثون بها إلى الصحف. وبدأت الدعوة تنمو وتتسع.

وفي آذار ١٩٥٠ صدر في بيروت ديوان أول لشاعر عراقي جديد هو (عبدالوهاب البياتي) وكان عنوانه (ملائكة وشياطين) وفيه قصائد حرة الوزن. تلا ذلك ديوان (المساء الأخير) لـ(شاذل طاقة) في صيف ١٩٥٠ ثم صدر (أساطير) لـ(بدر شاكر السياب) في أيلول ١٩٥٠م وتتالت بعد ذلك الدواوين، وراحت دعوة الشعر الحر تتخذ مظهرًا أقوى حتى راح بعض الشعراء يهجرون أسلوب الشطرين هجرًا قاطعًا ليستعملوا الأسلوب الجديد.

لكنها عادت لتستدرك في الطبعة الخامسة من الكتاب، عن الطبعة الأولى، لتقول:

عام ١٩٦٢م صدر كتابي هذا، وفيه حكمت أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي. ولم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن شعرًا حرًا قد نظم في العالم العربي قبل سنة ١٩٤٧م، سنة نظمي لقصيدة “الكوليرا”. ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ سنة ١٩٣٢م، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين لأنني لم أقرأ بعد تلك القصائد في مصادرها. وإذا أسماء غير قليلة ترد في هذا المجال منها اسم (علي أحمد باكثير) و(محمد فريد أبي حديد) و(محمود حسن إسماعيل) و(عرار) شاعر الأردن و(لويس عوض) وسواهم. ثم عثرت أنا نفسي على قصيدة منشورة قبل قصيدتي وقصيدة (بدر السياب) للشاعر (بديع حقي) وهذا مقطع منها:

أي نسمة

حلوة الخفق عليلة

تمسح الأوراق في لين ورحمة

تهرق الرعشة في طيات نغمة

وأنا في الغاب أبكي

أملًا ضاع وحلمًا ومواعيد ظليلة

والمنى قد هربت من صفرة الغصن النحيلة

فامحى النور وهام الظل يحكي

بعض وسواسي وأوهامي البخيلة

ثم تتساءل (نازك) عن النقطة التي يمكن اعتبارها منشأ الشعر الحرّ في الثقافة العربية:

هل يمكن أن نحكم بأن حركة الشعر الحرّ قد بدأت في العراق سنة ١٩٢١م؟ أو أنها بدأت في مصر سنة ١٩٣٢م؟ والواقع أننا لا نستطيع، فالذي يبدو لي أن هناك أربعة شروط ينبغي أن تتوافر لكي نعتبر قصيدة ما أو قصائد هي بداية هذه الحركة وسأدرجها فيما يلي:

أولًا: أن يكون ناظم القصيدة واعيًا إلى أنه قد استحدث بقصيدته أسلوبًا وزنيًا جديدًا سيكون مثيرًا أشد إثارة حين يظهر للجمهور.

ثانيًا: أن يقدم الشاعر قصيدته تلك -أو قصائده- مصحوبة بدعوة إلى الشعراء يدعوهم فيها إلى إستعمال هذا اللون في جرأة وثقة، شارحًا الأساس العروضي لما يدعو إليه.

ثالثًا: أن تستثير دعوته صدىً بعيدًا لدى النقاد والقراء فيضجون فورًا -سواءً أكان ذلك ضجيج إعجاب أم إستنكار- ويكتبون مقالات كثيرة يناقشون فيها الدعوة.

رابعًا: أن يستجيب الشعراء للدعوة ويبدؤون فورًا باستعمال اللون الجديد، وتكون الاستجابة على نطاق واسع يشمل العالم العربي كله.

ولو تأملنا القصائد الحرة التي ظهرت قبل عام ١٩٤٧م لوجدناها لا تحقق أيًا من هذه الشروط، فإنها مرّت ورودًا صامتة على سطح تيار، وجرفها الصمت فلم يعلّق عليها أحد، ولم يتقبلها شاعر واحد. […] وعلى هذا فإن القصائد الحرة التي نظمت قبل عما ١٩٤٧م قد كانت كلها “إرهاصات” تتنبأ بقرب ظهور حركة الشعر الحر. ،لأولئك الشعراء دورهم الذي نعترف به أجمل اعتراف، فإنهم كانوا مرهفين فاهتدوا إلى أسلوب الشعر الحرّ عرَضًا، وإن كانوا لم يشخصوا أهمية ما طلعوا به ولا هم صمدوا واستمروا ينظمونه. ولعل العصر نفسه لم يكن مهيأ لتقبل الشكل الجديد إذ ذاك، ولذلك جرف الزمن ما صنعوا وانطفأت الشعلة فلم تلتهب حتى صدر (شظايا ورماد) عام ١٩٤٩م وفيه دعوتي الواضحة إلى الشعر الحر.

وتختتم حديثها قائلة:

كذلك أحب أن أثبت، في ختام هذا الحديث، اعتقادي بأنني لو لم أبدأ حركة الشعر الحر، لبدأها (بدر شاكر السياب) يرحمه الله، ولو لم نبدأها أنا و(بدر) لبدأها شاعر عربي غيري رغيره، فإن الشعر الحرّ قد أصبح في تلك السنين ثمرة ناضجة حلوة على دوحة الشعر العربي بحيث حان قطافها، ولا بد من أن يحصدها حاصد ما في أية بقعة من بقاع الوطن العربي. لأنه قد حان لروض الشعر أن تنبثق فيه سنابل جديدة باهرة تغيّر النمط الشائع، وتبتدئ عصرًا أدبيًا جيدًا كله حيوية وخصب وانطلاق.