نصيحة أب لابنه إذا ما أصبح كاتبًا

سمير عطا الله كاتب وصحفي  لبناني مواليد 1941، اشتهر بكتابة المقالات كما أنه نشر أكثر من كتاب بين الأدب والرواية .في كتابه (مسافات في أوطان الآخرين) الذي كتبه في هجرته بين لندن و باريس وكندا، يخاطب ابنه (نصري) بعد أن يصف الكون وفقاً لـ(نصري) أو قد يكون الكون وفقاً لصغار، ما بين اللعبة القطنية “رينبو” و (حكاية توماس)، وعالم الروضة فهو يقول بعد وصفه لعالم (نصري):

الأمور مختلفة في عالم نصري، وكلما أيقظني من صحيفتي إنما يعلن الفارق بين عالمين .

ثم يخاطب (عطا الله) ابنه تحت عنوان “اسمع يا نصري“:

 إنه يومك الأول في المدرسة. خطوتك الأولى على عتبة عالم يكاد يكون أكبر بعداً من هذا العالم، أسمه العلم .قد تفرجنا عليك من بعيد، تربط حقيبتك الصغيرة إلى كتفك وتفرجنا على دهشتك، وأنت تفترس في أترابك، وتتلمس بأجفانك اليوم الأول من الفصل الأول من العام الأول في زمن لا نهاية له، و لا قعر، ولا سقف، ولا قرار اسمه العلم.

يصف العلم في عصر نصري:

فالعلم في عصرك هو القوت الآخر. إنه الرغيف الوحيد الذي ليس من عجن الأرض .وأنت يا بني، من جيل نهاية القرن، ولدت والناس تتمشى في الفضاء، والعلم يلعق المرايا فوق قشرة الأرض، لكي يضيء ليل القطب، وألعابك سفن فضائية.

ثم يوصيه:

أنت لك العالم. وأمامك العلم. عليك بهما.

وفي المقالة التالية المعنونة أيضا “اسمع يا نصري” يقول فيها:

لقد سألني أحب الناس بماذا سوف أنصحك هذا العام ؟ فقلت: إنني سوف أنصحك أيضاً، وأيضاً بقلم ودفاتر. ومع أنني أتطلع هذه الليلة بالورقة البيضاء، فأحار كيف أملأها ؟ فأتطلع في أوراقي الماضية فأراها مجرد أوراق على الطريق، وورقاً على ورق. ومع أنني مهزوم وأعزل. فإنني لا أريد لك في هذه الحياة سوى أن تكتب. وإذ أحلم لك، فأنا أحلم بأن تتخطاني بزمان، وبأن أكون نقطة انطلاقك لأمثالك.

وإذ أريد شيئاً، فإنما أريد لك أن تأخذ القلم جدياً أكثر مما أخذته أنا، وأن تعرف أهمية الورقة أكثر مما عرفتها أنا، وأن تتيقن باكراً بأن أجمل شيء في الدنيا، كتاب.

تمنى عطا الله لأبنه و قدم النصيحة ثم حذره مما قد يشاع عن الكتابة فيقول:

لا تصغ إلى الذين يحذرونك من صناعة الكلمة، اللهم إذا ما وهبك إياها الله. لا تأبه للذين يقولون لك إنها صناعة الفقر و إنها حقل اليأس، فالحقيقة أنها قوافي الرجاء. ولا تستمع إلى أولئك الذين يعظونك بأن الأرض مطحنة الضعفاء، وأنه عالم لم يخلق للكتاب، فالحقيقة أن الله يخلق لكل كاتب رجاء.

فيتم حديثة عن الكاتب و الكتابة بإعطائه ملكية معنوية رفيعة لا يحسن قدرها إلا القليل:

إنك تملك أن تبشر بالعدل، وأن تدعو إلى العفو، وأن تقاتل من أجل الحق، وأن تدافع عن صعاليك الأرض، ومساكينها. إنك تملك أن تعبر، تملك أن ترى إذا ما رأيت، وتملك أن تشارك الناس بكل لحن تسمع، وبكل قافية تمطر عليك.

هل الكتابة عندما تكون حرفة يرتزق منها الكاتب تكون أقل جودة وإبداع بينما تكون خالدة وعبقرية إذا ما كانت هواية أزلية تخلقها الرغبة في الكتابة لا طلب الرزق ؟

عطا الله يدعو أن لا تكون الكتابة حرفة لأبنه:

وإني أدعو لك إذا كتبت ألا تجعل الكتابة مثل حرفة تعيش بها ومنها. بل تظل هواية أزلية تمنحها كل عبقرية ممكنة، وتمنحك كل مكانة في غد الأدب وتاريخه.

فكتابة والكتاب ليسو واحد في نظره:

فالذين يكتبون في الحياة كثيرون، لكن هناك ملتون واحد عبر العصور. و(هيغو) واحد. و(المتنبي) واحد. وبعض الكتابة تجارة مثل السمسم و الكمون، وأما بعضها الآخر، فلا تفسير لتلك الرعشة التي يتركها فيك ولا نعت، ولا صفة .

وفي آخر سطر يكتبه لأبنه يتمنى له ثلاث هي أجمل ما في الحياة:

إن أجمل ما في الحياة صديق و كتاب و وطن، وإني آمل أن يمن الله بها عليك ثلاثاً.