نظرة إلى الفن بأعين د.زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود

 د. زكي نجيب محمود (1905-1993) كاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري. في أشهر كتبه المعنوَن بـ(تجديد الفكر العربي) جعَل شيئًا عن أهمية الفن للحضارة فيقول بداية عن أهمية العلم والفن في نهضة الأمم فيقول:
العلم موضوعي والفن ذاتي، والخلط كل الخلط في أن أفسد العلم بأهواء الذات، أو أن أزيف الفن بموضوع يُملى عليه من خارج. وبالعلم المقيّد والفن الحر يتكون الإنسان المعاصر.
فإذا كان العربي متخلفًا عن عصره، فذلك لأنه لا علمًا بالطبيعة اكتسب ولا فنًا معبرًا عن ذاته أنشأ. فالعلم -حتى إذا ألممنا بأطراف منه- هو من اكتساب غيرنا ثم حفظناه حفظ التلميذ لدرسه. والفنّ -إذا زعمناه- هو سلعة منقولة عن سوانا (ولا فرق بين نقل عن أسلافنا ونقل عن معاصرينا) فإذا كان في المنقول فن الفن لغيرنا، عبّر به عن ذاته هو، وأما نحن فذواتنا ما زالت مطمورة تنتظر الفن الأصيل.
 ويقول في موضع آخر عن أهمية الفن:
بالعلم المشترك نعرف العالم ونغيره، وبالفن الذاتي نعرف الإنسان ونقومه
 يقول بعد ذلك عن حال الفن والأدب عند العرب فيقول:
إني لأذكر في شيء من الغموض قول أديب عربي حديث -لعله مصطفى لطفي المنفلوطي- حين قال إنه يفضل أن يقرأ وصفًا جميلًا لبستان، على أن يشهد البستان نفسه، وسواء قالها المنفلوطي، أو قالها سواه، أو لم يقلها أحد، ففي هذه العبارة صدق يكاد يجعل منها مفتاحًا لخصائص الثقافة العربية كما كانت طوال العصور – والكلام هنا بالتعميم والإجمال لا بالتفصيل والتحديد.
 فالإنسان في رأي د.زكي نجيب محمود يعيش في عالمين:
وهي أن هناك في حياة الإنسان عالمين يعيش في أحدهما أو كليهما بنسب متفاوتة: عالم الطبيعة من جهة، وعالم الرموز (وخصوصًا رموز اللغة) التي يبتكرها الإنسان ليشير بها إلى الطبيعة وأشيائها وكائناتها من جهة أخرى
وحال المثقف العربي في هذه العالمين برأيه:
والزعم هنا هو أن المثقف العربي كان يفضل الإقامة في عالم اللغة أكثر جدًا مما يطيل البقاء في عالم الأشياء
 وحال المثقف العربي في هذه العالمين تنعكس وبشدة إلى إنتاجه الفني، فيقول:
إن نظرة طائرة سريعة إلى الفن الإسلامي، كافية للتفرقة بين هذا الفن والفن اليوناني -مثلًا- أو الفن الهندي، أو الفن الفرعوني القديم. الفن الإسلامي هندسي يقيم أشكاله من خطوط وزوايا ومربعات ومثلثات ودوائر. إنه لا يرسم كائنات الطبيعة وأشياءها؛ لأن هذه الكائنات لا تمتزج بنفسه، ولا العربي يسعى إلى مزج نفسه بها، إنه إعلان من الفنان العربي بانفصال ذاته انفصالًا تامًا عن الأرض وكائناتها
 وكتوضيح أخير، فالفوارق بين فنون الأم ليست فوارق تفضيلية كما يقول، بل فوارق تاريخية لها أثرها على فنون الأمة:
إننا لا نقول بهذا إن بين الأمم فوارق بحكم الفطرة أو بحكم التكوين، لكنها فوارق تنشأ نتيجة لعوامل التاريخ ولكل أمة تاريخها، ولكل أمة ماضيها الذي أصبح -أو يجب أن يكون- جزءًا من حاضرها