نظرة عبدالكريم سروش الفريدة للفكر الليبرالي

s03

عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في كتابه “الدين العلماني” يستعرض سروش نظرته إلى الليبرالية من منظارها التاريخي ويشرح في استعراضه معاني القداسة والدولة من منظور الليبرالية بشكل ممتع وفريد.

ففي حديثه عن نشأة المفهوم من خلال التاريخ الغربي يقول

إن مصطلح الليبرالية وكذلك هويته وماهيته قد وفد إلينا من الغرب، فهذا المذهب نشأ في البداية في أجواء الفلاسفة والاقتصاديين الغربيين، ثم امتد إلى مساحات فكرية وثقافية في مناطق أخرى في العالم.

إن الحكام المستبدين وسلاطين الجور يعتبرون من أعداء الأغنياء والتجار بالدرجة الأولى، فما أن تجتمع ثروة كبيرة بيد أحد الأشخاص فإن هؤلاء الحكام والسلاطين يسعون لانتزاعها منه بأشكال مختلفة، ولهذا لم يرغب أو يتجرأ أحد على جمع ثروة كبيرة إلا أن يكون من عملاء البلاط أو من المتقربين للسلطة حيث يتقاسم الثروة معهم باستمرار. وعلى هذا الأساس فإن الليبرالية ظهرت في البداية في ميدان التجارة والاقتصاد حيث تعالت الصيحات المطالبة بالتحرر من سيطرة الدولة وطلب الأمن الاقتصادي لرؤوس الأعمال.

ولكي نفهم الليبرالية من منظور سروش، فيجب أن نستوعب المحاور التي يقوم عليها المفهوم وهي المحور السياسي والمحور الفكري والنظري والمحور الاقتصادي (الذي تحدثنا عنه آنفاً). ففي حديثه عن المحور السياسي الذي يقوم عليه المفهوم يقول سروش

أما في مجال السياسة فإن الليبرالية تهدف إلى تقليص دور السلطة وتقليم أظافرها إلى مرتبة رجل الشرطة فحسب. وهذه النظرة السلبية عن الحكومة واعتبارها معرقلة لحركة الأفراد وينبغي الحد من تدخلاتها إلى أدنى مستوى، وهي النظرة الليبرالية في مجال السياسة والتفكير السياسي.

وأما في حديثه عن المحور الفكري النظري فيكتب سروش

وأقول أيضًا بأن أهم شعار لليبرالية هو (لتكن جريئًا في التعلم والمعرفة) وهكذا يمكننا استخلاص كل ما يدور حول مفهوم الليبرالية من هذا الشعار، في الحقيقة أن ما يقال عن العقلانية المفرطة، أي إهمال العواطف والتحرك باتجاه العقل والعقلانية هو الشيء الذي أفرز المذهب الهيرمونيطيقي بعد ذلك كرد فعل للتأكيد على العقلانية والليبرالية، وكذلك تنكر للوحي والدين وإلغاء دور رجال الدين والمؤسسة الدينية ونفي المقدسات الدينية والحقوق الإلهية وأمثال ذلك كلها تتولد من رحم هذا الشعار (لتكن جريئًا في طلب العلم).

ولكن سروش لا يتوقف عند عند هذا الحد. بل يناقش مباشرة أحد أهم الركائز التي يتمحور عليها الفكر الليبرالي وهو مفهوم التقديس. حيث يكتب

إن أول ما نضحي به في مقابل المقدسات الموهومة هو عنصر الجرأة، فلا شك أن الجرأة غير محمودة بصورة مطلقة، والعقل هو الذي يجب أن يشخص موارد الصواب والخطأ في الجرأة والشجاعة، أي الحد الوسط فيها (…) فالكثير من الأمور المقدسة لدى الإنسان لا تستحق التقديس ولا ينبغي له تقديسها أصلًا.

فصحيح أن البشر كانت لديهم الجرأة والشجاعة في دائرة العلم والفلسفة ولكنها لم تكن تعيش الجرأة في مقابل المقدسات أو ما تتصوره مقدسًا. ومن هنا يمكننا تعريف الليبرالية على أساس هذه الرؤية أنها التحرر من قيد المقدسات.

ولكن ما العلاقة بين تحرير الإنسان في السياسة والحقوق وبين التحرر من المقدسات ؟ يجيب سروش

ولكن الحرية التي يتمحور حولها الفكر الليبرالي لم تكن تختص بأي وجه بالحرية في دائرة الحقوق والسياسة، بل ترمي إلى معنى أوسع من ذلك، أي التحرر من المقدسات. (الليبرالية) تعني أن كل شيء وكل شخص ليس مقدسًا إطلاقًا وعلى الناس أن يتحرروا من شر المقدسات فلا ينبغي الاعتقاد بشخصية أو عقيدة معينة من خلال عنصر التقديس والتجليل فقط.

أجل إن الليبرالية بدأت من تحرير الإنسان من شر المقدسات. ولكنها لم تحدد بتحرير الإنسان من شر ولاية الكنيسة المقدسة، بل كانت هناك مقدسات أخرى كولاية الملوك والسلاطين، وقداسة السلف من العلماء والمفكرين. ولعلكم جميعًا سمعتم بهذه العبارة التي كانت سائدة في القرون الوسطى، وهي (هكذا قال الأستاذ) أي أفلاطون أو أرسطو، وهذا يعني أنه يكفي أن يقول الشخص في تأييد كلامه أن أرسطو أو أفلاطون قال هذا الكلام حتى يسكت الطرف الثاني ويذعن.

ثم ينتقل سروش إلى الحديث عن نظرة الليبرالية المركزية إلى الإنسان والتي تقوم عليها جميع الركائز الأخرى حيث يقول

إن الليبرالية تنظر إلى الإنسان بأنه غير معصوم من الخطأ، وهذا هو الأصل المقدس والوحيد الذي حل جميع الأصول المقدسة السابقة، فالإنسان غير معصوم من الخطأ في دائرة السياسة، وفي دائرة المعرفة، وفي دائرة الدين.

من جهة أخرى فإن الحرية السياسة التي تقدم الكلام عنها تتجلى بصورة أوضح وأعمق في هذا المذهب، بمعنى أنه لا أحد له حق الحكومة على الناس بذاته أو من عند الله تعالى، فهذا الحق يجب أن يعطى له من قبل الناس وباختيارهم. والمعنى الأولي للحرية السياسية هو أن يقوم الناس باختيار نوع الحكومة والحاكم من خلال صناديق الاقتراع، بيد أن هذا المعنى يتضمن خلفية فلسفية عميقة يتولد منها هذا الحق للناس، وهو الاعتراف بالحقوق الطبيعية للإنسان في مقابل الحقوق الإلهية.

فالشعار المهم جدًا في الفكر الليبرالي هو أن الحق ليس جليًا، بل ينبغي على الجميع السعي للكشف عنه واستجلاء مضمونه، وأما أن يعتقد الإنسان بأنه على حق فإن ذلك من شأنه أن يمنحه الجرأة في التعامل مع الآخرين من موقع الخصومة، ولكن اعتقاد الشخص بأنه مخطئ وأنه لا زال باحثًا عن الحقيقة يدفعه إلى اتخاذ سبيل الاحتياط والحذر.

وفي معرض انتقاده وحديثه عن سر رفض اللبرالية للخطاب الديني بالعموم يقول سروش

أجل إن العقل يفرض على الإنسان أن يرفض القيود والتكاليف الأجنبية عن ذاته. ولكن هل الذات الإلهية أجنبية عن ذات الإنسان ؟ ولماذا تعنبر الله أجنبيًا عنا ؟ وأين يمكننا اللجوء إلى غير سلطانه ؟ إن الأمر الذي دفع الغربيين بعيدًا عن الله هو أن قدسية الله اقترنت بقدسية رجال الدين وأرباب الكنيسة، ورأوا الجمال الإلهي ينعكس على الوجه العبوس والغاشم لرجل الدين المسيحي، واستبدلت الرحمة الإلهية بتعليمات الكنيسة التعسفية حيث صنعت الكنيسة من الله المحبوب أداة حرب لقتل كل معرفة وفن لدى الإنسان (…) إن الأشخاص الذين أعرضوا عن المقدسات والدين لم يعرضوا في واقعهم الوجداني والفطري عن الله. فهذه الفطرة الإلهية تحتل مكانها في أعماق وجدان الإنسان وليس بإمكانه تركها أو الإعراض عنها.

إن كبار الملحدين أمثال ماركس وفوير باخ لم تكن أذهانهم فارغة عن وجود الله، بل كان لهم فكر ديني، وكانوا يهتمون بالمقولات الدينية، رغم أن النتائج التي توصلوا إليها كانت مخالفة للمعتقدات الدينية.

ويلخص سروش رأيه في معنى العلمانية وعلاقة الدولة بالدين في هذه الفقرة قائلا

ولهذا السبب فإن العلمانية ومقولة فصل الدين عن السياسة هي المتعينة، أي أن تقف الحكومة على الحياد وتصرف اهتمامها بالأمور الدنيوية، وهذه العملية تعني أن تعود الحكومة إلى محطة ما قبل قبول الدين والأخلاق والفلسفة وأمثال ذلك وتسعى لحفظ هذه الحالة أي تفترض أن المجتمع لحد الآن لم ينتخب دينًا معينًا من الأديان. فلابد في هذه الحالة أن تقف الحكومة على الحياد ولا تحاول إرغام المواطنين على اختيار نظرتها ورأيها.

وختاما، كيف يمكن للفرد أن يفهم الليبرالية وباقي الفلسفات المستلهمة من المجتمعات الغربية حقا ؟ يجيب سروش

سبق وأن قلت أن تاريخ المجتمعات الغربية وخلافًا للتصور السائد هو تاريخ ديني عميق التدين، وما لم يطلع الشخص على المسيرة الدينية في الغرب فلن يكون بإمكانه استيعاب تاريخ المجتمعات الغربية.