نظرة في مذكرات دي بوفوار

دي بوفوار

سيمون دو بوڤوار (1908-1986)، كاتبة فرنسية وفيلسوفة وجودية، تعد أحد أبرز النسويات التي أثّر خطابها على الفكر النسوي إلى اليوم. ففي رواية (مذكرات فتاة ملتزمة)، والتي هي في حقيقة الأمر سيرة ذاتية، عرضت (بوڤوار) لنا قصة حياتها في السنوات العشرين الأولى منها؛ والتي ربما شكّلت لها أهم الأسئلة التي لازمتها طيلة مشوارها.

ولدت (بوڤوار) في باريس، عام 1908، ومنذ طفولتها سرت في شخصيتها الروح الاستقلالية، كانت تقول: “منذ الصغر كانت تُسْكِرني فكرة أن أمتلك حياة تخصني وحدي!” ، ومن هنا بدأ يتشكل فكرها المتمرد والمختلف عن حياة البرجوازية المحيطة بها آنذاك، خصوصاً حول وضع المرأة في تلك الفترة؛ والتي كان يتكثّف دورها في الاقتصار في الدوارة ضمن حلقة الزواج.

كانت (بوڤوار) ترى فكرة الزواج بنمطه التقليدي الذي ينحى ناحية العبودية بنظرة استياء ونفور يسلبها حريتها، تقول:

كنت أؤثر، إلى ما لا نهاية، أن أمتهن مهنةً على أن أتزوّج، وكانت هذة الفكرة تفسح لي في طريق الأمل؛ فقد عرف العالم أشخاصاً عملوا أشياء، وسوف أعمل أنا الأخرى شيئاً ما.

عندما تكون العلاقة الزوجية قائمة على التفاضلية وليست تكاملية، حينها لا ترى المرأة المستقلة لها حاجة بمثل هذة العلاقة، فالزواج أبعد مايكون عن اقتصاره على الحضور المادي. وقد وصفت (بوڤوار) الزواج بصورة قد تبدو ردةً على التقاليد الاجتماعي آنذاك، فقالت:

لا أرى فرقاً بين امرأة تتزوج زواج مصلحة وبين بغيّ، وكانوا قد لقّنوها أنّ على المرأة المسيحية أن تحترم جسدها، وأنها لا تحترمه إذا هي استسلمت من غير حب، بدافع من مال أو من استنساب.

لازمت (بوڤوار) حرقة انعكست بالسخونة ذاتها على نصوصها، وهي ترى الذكورية وقد تجذّرت في مجتمعها، فمثلاً، كان القانون يقرّ للرجال من الحقوق ما لا يقرّه للنساء، تقول:

كنت أود أن أخضع الرجال للقوانين نفسها التي تخضع لها النساء. كان أبي ومعظم الكتّاب والرأي العام يشجعون الشبان أن يغامروا، حتى إذا آن الأوان، فإنهم سيتزوجون الفتاة التي تنتمي لعالمهم، وفي إبان الانتظار لا بأس من التسلية مع فتيات عابرات!

وكما يبدو أننا لا زلنا عالقين حتى اليوم عند هذه الحروف، وسط منظومة فكرية ذكورية هي السائد في المجتمع والمحرك الأساسي لكل تفاصيل الحياة، وسنجد أن المرأة والاعتبارات المحيطة بها، هي فعلاً في قالب المتعة المجرّدة فقط، سواء أكانت زوجة أو فتاة عابرة، كما تعبّر (بوڤوار).

تقول (بوڤوار)، أنه “لم يكن يؤسفني طبعاً أن أكون امرأة، بل كنت أستمدّ من ذلك ألواناً كثيرة من الرضى!“، وهي محقة، فلو أدركت كل امرأةٍ أن رؤيتها لنفسها ستنعكس على رؤية الآخرين لها لاستوعبت قيمتها واكتشفت مواطن الإبداع والتميز بها، فأصدق الإيمان و أعمقه هو إيمانك بنفسك وبقدرتك على صناعة بصمة لك في هذة الحياة.

وتتجلى مشاعرها وحديثها الداخلي في رحلة التعرف على نفسها واكتشاف قناعاتها في مذكّراتها، تقول: “لقد كانت الظواهر تخدعني، وكان العالم الذي لقنوني إياه مغشوشاً كلّه وزائفاً“. ويبدو أن هذا أول درس في حياة كل شخص خرج من عالم الطفولة إلى العالم الحقيقي الذي سيواجهه بمختلف الطرق وعثرات الخطى التي يجب أن يتخطاها كي يستطيع أن يعيش.

وفي سياق الاستقلال العاطفي الذي تتحدث عنه (بوڤوار)، تقول:

إن اللذة تبقى مدنّسة إذا لم تُصهر بنار العاطفة. ثم إني كنت متطرفة: كنت أريد كل شيء، وإما لا شيء. وإذا أحببت فسأحبّ إلى الأبد، وسأنخرط بكليتي، بجسمي وقلبي وفكري وماضيّ.

تقول: “لم يكن هناك من يحبني كما كنت، ولم يكن هناك من يحبني، لذا عزمت على أن أحبّ نفسي لأعوّض هذا الفراغ”. فعندما تحصر الحب بقالب جامد، حينها لن تلامس وجوده وتستمع بصور عطاءاته المختلفة. لابد أن تؤمن بوجود الحب حولك، حينها سيجد الحب طريقه إليك.

هنا، يستوقفنا تساؤل (لبوڤوار): “عما إذا كان من الواجب أن يخضع الإنسان للحب أم للسعادة؟“، وأتوقع، أنه من الصعب جداً التخيير بينهما، إذا ما افترضنا أنه من المحال الفصل بين الحب والسعادة، فكلاهما مكملٌ لبعضه؛ فلا سعادة دون حب، ولا يكون الحبُّ قريناً بشيء بقدر اقترانه بالسعادة. إن أصعب ما يواجهه الإنسان هو أن يفهم مشاعره المتضاربة ويهتدي إلى أيّها، تلك التي قد تكلفه عمراً كاملاً ليفهمها.

“كنت أشجّع نفسي على أن أعيش كل يوم بيومه، بلا أمل ولا خوف”، وهذه العدالة التي اقتنعت بها (بوڤوار)، فما يفعله الخوف والتردّد هو حصيلة كبيرة من خيبات الأمل، وفرص تضيع في سبيل هذا، فالبدايات الجديدة، والتغيير، يبدأ بحياتك حين تعرف مواطن الضعف لديك وتشرع بمعالجتها.

لم تجد (سيمون) الله في الكنيسة، ولم تشعر أنها تخلّصت من ذنوبها بعد الاعتراف. شعرت (بوڤوار) أنها لامست وجوده في الطبيعة من حولها، ولذلك نجد حبها للأرياف، إلى أن فقدته تدريجياً وهي في (پاريس)، في إشارة للحياة المدنية:

كنت أحسّ وجود الله حولي أكثر مما كنت أحسه في پاريس. وكنت كلما التصقت بالأرض كلما ازددتُ قرباً منه، وكانت كل نزهة صلاة عبادة له. ولم تكن سيادته لتنزع منّي سيادتي.

وفي نفس السياق تقول:

كانت الطبيعة تحدثني عن الله، ولكنه كان يبدو لي دون شك غريباً على العالم الذي يموج فيه البشر.

وتكمل:

كنت أصلّي وأتأمّل وأحاول أن ينفعل قلبي بحضور الله. ولكن في الواقع بينما كنت أسمو فكرياً إلى المعرفة يوماً بعد يوم، لم أكن أشعر بأني أقترب من الله.

ووسط هذه الحيرة، تقول (بوڤوار):

كنت أتمنى أن يتجلّى لي، أو أن تأخذني نشوة، أو أن يحدث فيّ، أو خارجاً عني، شيء ما. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.