نظرية التناص في النقد الغربي وتحليل بنية النص

توصلت جوليا كريستيفا، من مواليد 1941، الفيلسوفة و الأديبة وعالمة اللسانيات والمحللة النفسية الفرنسية من أصل بلغاري إلى إبتداع مصطلح التناص أو النصوصية على مظاهر معينة في الخطاب والأدب والتي كانت موجودة قبل تبلور المفهوم، فقد لعبت (كريستيفا) بمشاركة عدد من الفلاسفة منهم (ميشال فوكو) و(رولان بارت) .. دوراً حاسماً في تطور النظرية الأدبية واللسانية متأثرة في مفهوم تعددية الأصوات والحوارية لدى الباحث الروسي (ميخائيل باختين) (1895-1975)

درس (باختين) تعددية الأصوات والحوارية في روايات (دوستيوفسكي) فيقول:

لا يحصر (دوستويفسكي) اهتمامه، على النقيض من معظم الفنانين، بالوظائف التمثيلية والتعبيرية للخطاب -فن إعادة الخلق- كشيء صنعي، والخصوصية الاجتماعية والفردية لخطاب الشخصيات، ما يستأثر بجوهر اهتمامه أكثر من غيره هو التفاعل الحواري للخطابات مهما كانت تفصيلاتها اللغوية. إن الغاية الرئيسية للتمثيل والتي يهندسها هو، هي الخطاب نفسه، وبصورة خاصة الخطاب ذو المعنى. أعمال (دوستويفسكي) خطاب على خطاب وموجهة إلى خطاب.

فإنه يرى أن النص هو تفاعل الحوار “مع الأنا أو مع شخص آخر” أي اعتبر أن كلامنا ما هو إلا خطاب الآخر في لغة الآخر، فهو مثل كثير من العلماء والنقاد ينفي أصالة النص والخطاب وملكيته المطلقه لكاتبة وأنه خلاصة تفاعلات تاريخية واجتماعية، باستثناء الحقائق والاخبار والعلاقات المنطقية من نفي، واستنتاج..

ونحن نرى أن المعنى اللساني لملفوظ معين, يُدرك من خلال خلفية اللغة ومعناها الحقيقي، ومن خلال خلفية ملفوظات أخرى ملموسة متصلة بنفس التيمة، وخلفية آراء ثانية ووجهات نظر وتقديرات قائمة في لغات مختلفة. بعبارة أخرى، فإن معنى ملفوظٍ ما، يدرك من خلال خلفية كل ما يُعقد مسيرة أي خطاب نحو موضوعه. لكن الآن، تتقد هذه البيئة المتعددة اللسان من الكلمات الأجنبية إلى المتكلم لا داخل الموضوع، وإنما داخل قلب المحاور باعتباره خلفيته المدرِكة، المثقلة بالأجوبة والاعتراضات. وكل ملفوظ يتجه نحو هذه الخلفية التي ليست لسانية، بل غيرية وتعبيرية. وعندئذ يحدث لقاء جديد للملفوظ بكلام الآخرين، يُمارس تأثيراً جديداً ونوعياً على أُسلوبة.

لم يستعمل (باختين) مصطلح “التناص” لكن المفهوم كان كامن، فادخله (باختين) إلى النظرية الأدبية الغربية، ممهداً للنظرية عبر عدة عناصر: (اللغات، التحول عبر ترابط الأصوات المتعددة، الحوارية، الوحدات الخطابية للثقافة) وهي العناصر التي تُكوّن مفهوم التناص، (كريستيفا) بخلفيتها المتنوعة في اللسانيات والأدب وعلم النفس واللغات انتشلت الفكرة التي بدأها باختين وأطلقت عليها مسمى التناص intertextuality وفصلت في الدراسة البنيوية للمحكى “الملفوظ” على مستوى الكلمة والحوار والرواية في مقال بعنوان (الكلمة والحوار والرواية) فتقول على مستوى الكلمة:

بوضع مفهوم الوضع الاعتباري للكملة كأصغر وحدة في البنية، حصر باختين النص داخل التاريخ وداخل المجتمع، منظوراً إليهما على أنهما نصّان يقرأهما الكاتب، وينصهر فيهما عند إعادة كتابتهما […] فدراسة الوضع الإعتباري للكلمة تعني دراسة ترابطات الكلمة “كمركب دلالي” بالكلمات الأخرى للجملة، واستخراج نفس الوظائف “العلاقات” على مستوى الترابطات المتوالية الكبرى. وإزاء هذا التصور الفضائي للاشتغال الشعري للغة، سيكون من الضروري أن نحدد أولاً الأبعاد الثلاثة للفضاء النصي الذي ستتحقق فيه مختلف عمليات المجموعات الدلالية والمتواليات الشعرية، وهذه الأبعاد الثلاثة هي: ذات الكتابة، والمتلقي، والنصوص الخارجية (ثلاثة عناصر في حوار) وبهذا يتحدد الوضع الإعتباري للكلمة:

أ) أفقياً: تنتمي الكلمة في النص إلى ذات الكتابة و إلى المتلقي في نفس الوقت.

ب) عامودياً: الكلمة في النص موجهة نحو المتن الأدبي السابق أو المتزامن.

يكتب الكاتب نصه الخاص؛ بحيث يتلاقى المحور الافقي (الذات-المتلقي). والمحور العامودي (النص-السياق) قصد الكشف عن عمل عظيم، إن الكلمة (النص) هي ملتقى كلمات (نصوص) حيث نقرأ على الأقل كلمة آخرى (نصاً).

مفهوم التناص يقود القارئ إلى فهم النص ومن الذي يتحدث داخلة ويعزز النظرة النقدية المستمرة للنص وللأُطر الذي انبثق منها النص سواء ادخل الكاتب تلك النصوص بوعي أو بشكل عفوي غير واعٍ، فتقول (كريستيفا):

أن النص هو تقاطع نصوص حيث نقرأ على الأقل نصا فيها وهو ما يتفق مع ماجاء به (باختين)، أن كل نصّ هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نصّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى.