هنا والآن، إيريك فروم

ErichFromm8

إيريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. له العديد من المؤلفات العميقة، منها كتابه العظيم (الإنسان بين الجوهر والمظهر)، والذي نقتبس منه هنا. يتحدث (إيريك فروم) هنا في الماضي و الحاضر والمستقبل من حيث أسلوب التملك و الكينونة والفرق بينهما فيقول:

لايوجد أسلوب الكينونة إلا في هنا والآن. بينما لايوجد أسلوب تملك إلا في الماضي والحاضر والمستقبل.

في أسلوب التملك،
نحن مربوطون إلى ماتمكنا من حيازته في الماضي: المال، الشهرة، المكانة الاجتماعية…وغيرها. نحن نفكر في الماضي ونشعر بتذكر مشاعر الماضي أو مايبدو كذلك. وهذا هو جوهر العاطفة، ومن ثم فنحن لانكون إلا في الماضي، ويمكن القول: أنا هو ماكنت.
أما في المستقبل، فهو مانتوقع أن يصير إليه الماضي. والإحساس بالمستقبل في أسلوب التملك مثل الإحساس بالماضي، ويتضح ذلك في تعبير “هذا شخص له مستقبل” للدلالة على أن الشخص سيملك أشياء كثيرة، حتى لو لم يكن يملك الآن شيئاً.
والحاضر ليس إلا نقطة الوصل بين الماضي والمستقبل، ليس إلا محطة في مسيرة الزمن، ولاتختلف اختلافاً نوعياً عن العالمين الموصولين.

أما الكينونة،
فهي ليست بالضرورة خارج الزمن، ولكن الزمن ليس هو البعد الذي يحكمها. ولنضرب مثلا بالمفكرين. إن كتابة الأفكار عملية تحدث في الزمن أما تصورها فهو فعل خلاق خارج الزمن، وهكذا التجليات الكينونية، الحب والفرحة وإدراك الحقيقة.. كلها لاتحدث في الزمن، وإنما هنا والآن. وتلك هي السرمدية، أي التحرر من الزمن، فالسرمدية لاتعني كما يساء فهمها أحياناً الزمن الممتد بغير نهاية.
ومايخص الماضي، فإن الإنسان يستطيع إحياؤه، ويمكن أن يحس الإنسان بموقف قد مضى بالعذوبة والنضارة نفسيهما كما لو كان يحدث هنا والآن. أي أن الإنسان يستطيع خلق الماضي، ويعيد إليه الحياة، فيكيف الماضي على أن يكون ماضياً، ويكون هنا والآن.
وكذلك المستقبل، يمكن أن نحسه به كما لو كان هنا والآن. ويحدث هذا حين يتصور الإنسان حالا مستقبلية بدرجة من الاكتمال، بحيث تكون هي المستقبل من الناحية الموضوعية، أي كحالة خارجية وليست خبرة ذاتية داخلية. وهذا هو في الحقيقة التفكير الطوباوي الأصيل عكس أحلام اليقظة الطوباوية. إنه جوهر العقيدة الأصيلة الذي لا يحتاج إلى التحقق الخارجي في المستقبل كي يومن به الإنسان، أي لايحتاج لجعل الخبرة الذاتية واقعاً.